حماتي

لمحة نيوز


إن الخطة مشت زي كل مرة.
سكت البيت كله.
جوزي قال ببرود
أنهي خطة؟
أول ما فؤاد سمع نبرة صوته، اتوتر.
أحمد؟
أيوه... أنهي خطة؟
فضل ساكت ثواني.
ثم قال
أنا... أنا هكلمك بعدين.
وقفل الخط فورًا.
جوزي ببطء حط الموبايل على الترابيزة.
وبص لأمه.
وقال
يبقى مكنتيش لوحدك.
حماتي انهارت على الكرسي.
وحطت وشها بين إيديها.
وقالت وهي بتبكي
أنا غلطت... لكن عمري ما كنت عايزة أخسرك.
رد عليها
لكن كنتِ مستعدة تخسريني مراتي.
سكتت.
ثم قالت بصوت مكسور
فؤاد كان كل مرة يقولي لو ابنك اتعود يخرج مع مراته وينشغل عنها، هيبعد عنك بالتدريج... وأنا كنت بصدقه.
خالته شهقت.
وقالت
يعني كل السنين دي... كنتوا متفقين؟
قبل ما حد يرد...
سمعوا صوت عربية وقفت قدام البيت.
وبعد ثوانٍ...
خبط شديد على الباب.
ولما جوزي فتح...
لقى راجلين واقفين.
واحد منهم قال بلهجة حازمة
إحنا جايين نسأل عن الأستاذ فؤاد... لأن في حد قدم بلاغ النهارده، وقال إن عنده معلومات هتغير قصة قديمة اتقفلت من سنين.
ونظر مباشرة إلى حماتي، ثم قال
واضح إننا وصلنا في الوقت المناسب حماتي فضلت باصة للظرف، ودموعها بتنزل في صمت.
أول مرة أشوفها بالشكل ده.
لا بتجادل.
ولا بتبرر.
ولا حتى بتحاول تاخد الظرف.
بعد دقيقة كاملة، قالت بصوت مكسور
قبل ما تفتحه... اسمعني.
جوزي قعد قدامها.
وقال
بتكلمي الحقيقة كلها.
هزت رأسها بالموافقة.
وقالت
أنا فعلًا كنت بتصل بيك كل مرة عشان ترجع... وكنت بمثل إني تعبانة.
أنا سكت.
وجوزي غمض عينيه للحظة.
لكنها كملت
مش عشان أفرق بينكم... كنت بخاف من الوحدة.
قال
والوحدة تخلّيكي تكذبي كل السنين دي؟
قالت وهي بتبكي
بعد وفاة أبوك... البيت كان بيموت كل ما تخرج منه. كنت أول ما الباب يقفل... أحس إن الدنيا كلها فاضية.
خالته قالت بحزن
وكان ممكن تقوليله كده بدل الكذب.
حماتي نزلت رأسها.
كل مرة كنت أقول دي

آخر مرة... وبعدها أرجع أعملها.
سكتت شوية...
وبعدين قالت
لكن في حاجة واحدة في الظرف... معرفهاش.
جوزي رفع الظرف.
يعني إيه؟
قالت
أبوك كتب الجواب ده من غير ما أعرف هو كتب إيه.
بص للظرف.
ثم قال
خلاص... هفتحه.
أمسك بالشمع الأحمر، وكسره بهدوء.
طلع ورقة واحدة مطوية.
بدأ يقرأ.
وملامحه اتغيرت، لكن المرة دي مش من الصدمة...
من الحزن.
ناولني الورقة.
كان مكتوب فيها
يا أحمد... لو وصلت تقرأ الكلام ده، يبقى أكيد حصل بينك وبين أمك حاجات كتير. أوصيك بيها خيرًا، حتى لو غلطت. لكنها لو حاولت تمنعك تعيش حياتك، متسمحش لحد ياخد مكان زوجتك في قلب بيتك. الأم لها مكانة لا يعوضها أحد، والزوجة شريكة العمر، والعدل بين الاتنين هو أصعب اختبار للرجل.
البيت كله سكت.
حماتي انفجرت في البكاء.
وقالت
أبوك كان دايمًا يقولي نفس الكلام... وأنا ماسمعتوش.
جوزي قرب منها.
لكن قبل ما يتكلم...
رن جرس الباب مرة تانية.
فتحنا.
لقينا نفس الجارة اللي كانت كشفت الحقيقة أول مرة.
كانت ماسكة صندوق كرتون صغير.
وقالت
آسفة على الإزعاج... بس وأنا بنضف المخزن عندي، لقيت الصندوق ده. المرحوم والد أحمد كان سايبه عند جوزي قبل وفاته، وقال لو نسيت أخده، ابقوا سلموه لابني لما يجي اليوم المناسب.
بص جوزي للصندوق...
ثم للورقة اللي في إيده.
وهمس
واضح إن لسه في أسرار تانية....جوزي قام من مكانه من غير ما يفكر.
بص للراجلين وقال
مكتب أبويا لسه موجود في الأوضة المقفولة.
حماتي وقفت قدامه بسرعة.
محدش هيدخل هناك.
قال لأول مرة بنبرة حاسمة
المرة دي... هادخل.
طلع المفتاح من الدرج اللي في الصالة، نفس المفتاح اللي كانت مخبياه سنين.
حاولت تمنعه، لكن خالته مسكت إيديها وقالت
سيبيه... كفاية لحد كده.
فتح الباب ببطء...
ريحة الخشب القديم والمكان المقفول سنين خرجت مرة واحدة.
دخلنا وراه.
كل حاجة كانت زي ما والده سابها.

النظارة فوق المكتب.
القلم.
ساعة الحائط واقفة على نفس التوقيت.
كأن الزمن اتجمد.
افتكر الرسالة.
الدرج السفلي.
نزل على ركبته، وسحب الدرج.
كان فاضي.
بصلي وقال
مفيش حاجة.
لكن وهو بيقف، سمع صوت خبط خفيف.
رجع لمس الدرج.
ولاحظ إن قاعه أسمك من الطبيعي.
مرر صوابعه على الحافة...
ولقى قطعة خشب صغيرة بتتحرك.
ضغط عليها.
وفجأة...
اتفتح درج سري تحت الدرج الأساسي.
كلنا شهقنا.
كان جواه صندوق معدني صغير.
عليه ورقة مكتوب فيها بخط والده
لو وصلت للصندوق ده، يبقى فيه حد حاول يمنعك تعرف الحقيقة.
جوزي فتح الصندوق ببطء.
كان جواه فلاشة... ومفكرة جلد قديمة... ومفتاح صغير عليه رقم 17.
قبل ما يفتح المفكرة...
سمعنا صوت حماتي بتصرخ من برة الأوضة
لااا... متفتحهاش!
جرينا للصالة.
لقيناها واقعة على الأرض، وبتحاول تقوم.
لكنها كانت بتشاور ناحية الصندوق وهي بتقول
لو قريت اللي فيه... هتكرهني طول عمرك.
جوزي وقف مكانه.
بص للصندوق...
وبص لأمه.
وقال بصوت هادئ
أنا مش بدور على سبب أكرهك بيه... أنا بدور على الحقيقة.
مد إيده ناحية المفكرة...
وفور ما فتح أول صفحة...
وقع منها ظرف صغير مختوم بالشمع الأحمر، ومكتوب عليه بخط والده
لا يُفتح إلا إذا اعترفت والدتك بكل شيء من تلقاء نفسها.
نظر جوزي إلى أمه...
وقال
قبل ما أكسر الختم... عندك فرصة واحدة تتكلمي جوزي أخد الصندوق بإيدين بيرتعشوا.
كان صغير، لكن واضح إنه متقفل من سنين.
الغبار ماليه، وعلى الغطا ورقة صفراء مكتوب عليها بخط والده
إلى أحمد... افتحه مع زوجتك فقط.
بصيت لحماتي.
كانت منزلة عينيها في الأرض.
جوزي قال بهدوء
هنفتحه في بيتنا.
ولا حد اعترض.
حتى حماتي.
رجعنا شقتنا، وحط الصندوق على السفرة.
فضل يبصله شوية، كأنه خايف من اللي جواه.
وأخيرًا فتحه.
كان فيه ألبوم صور قديم.
ودفتر صغير.
وظرف تالت.
بدأ بالألبوم.
كله صور عادية.
هو
طفل.
رحلات.
عيد ميلاده.
لكن في آخر صفحة...
كانت فيه صورة لوالده وهو حاضنه، ومكتوب وراها
متخليش أي حد يحرمك من إنك تعيش اللحظات دي مع أولادك في المستقبل.
جوزي ابتسم لأول مرة من يومين.
بعدها فتح الدفتر.
كان عبارة عن مذكرات قصيرة.
كل صفحة فيها تاريخ وجملة.
اليوم أحمد خرج مع أصحابه لأول مرة... أمه فضلت تعيط لحد ما رجع.
اليوم سافر مع المدرسة... أمه طلبت مني أرجعه.
اليوم اتخطب... أمه قالت إنها خايفة يبقى لمراته أكتر منها.
كل صفحة كانت بتحكي نفس الخوف...
خوف مبالغ فيه من فقدان ابنها.
قفّل الدفتر وقال
أبويا كان شايف كل حاجة.
فضل الظرف الأخير.
فتحه.
طلع منه مفتاح نحاس صغير.
ومعاه بطاقة مكتوب فيها
هذا المفتاح ليس للبيت... بل لخزينة في البنك، ولن تحتاجه إلا إذا قررت تبدأ حياة جديدة بعيدًا عن أي ضغط.
أنا بصيتله باستغراب.
قلت
يعني إيه؟
قال
معرفش... لكن واضح إن أبويا كان مرتب كل حاجة.
وفي اللحظة دي...
رن موبايله.
كانت أمه.
بص للاسم، وسكت.
قلت
هترد؟
تنهد.
وضغط على زر الإجابة.
جاله صوتها الهادي، لأول مرة من غير تمثيل ولا بكاء.
قالت
يا أحمد... أنا مش عايزة منك غير طلب واحد.
قال
إيه هو؟
قالت بعد صمت طويل
متيجوش عندي النهارده... أنا اللي هاجيلكم. وعايزة أعتذر لمراتك قدامك... وقدام كل اللي كنت سبب في زعلهم.
بصلي جوزي.
ولأول مرة من يوم ما اتجوزنا...
حسيت إن صفحة قديمة اتقفلت.
لكن لسه محدش كان يعرف...
إيه اللي موجود فعلًا داخل الخزينة اللي والده ساب مفتاحها بعد أسبوع...
جوزي أخد المفتاح، وراح البنك وأنا معاه.
الموظف بص للمفتاح، وبعد ما راجع البيانات، قال
الخزينة دي باسم والد حضرتك، ومصرح بفتحها ليك.
دخلنا غرفة صغيرة.
حطوا قدامنا صندوق حديد.
جوزي فتحه بنفسه.
كان جواه ظرف كبير... ومبلغ مالي قديم... وسلسلة دهب كانت تخص والدته، ورسالة أخيرة.
فتح
الرسالة.
وكان مكتوب فيها
يا أحمد... لو أنت بتقرأ كلامي، فأنا خلاص مش موجود. يمكن أمك غلطت، ويمكن خوفها خلاها تعمل حاجات تضايقك، لكن اعرف إنها عمرها ما كانت بتكره سعادتك. الخوف ساعات بيخلّي الإنسان أناني من غير ما يحس. لو
 

تم نسخ الرابط