حماتي طلبت
وأنا مش مصدقة.
كان مكتوب
تجهيز حفل افتتاح فرع جديد العدد 300 شخص.
وقفت للحظة.
افتكرت أول يوم عملت فيه 5 علب أكل وأنا خايفة محدش يطلب.
افتكرت العزومة اللي اتقال فيها إن غيري هو اللي طبخ.
وابتسمت.
مش شماتة
لكن إحساس إن كل التعب اللي محدش شافه، بدأ ياخد مكانه.
دخل جوزي وقتها وشاف الورقة في إيدي.
قال
إيه ده؟
ناولته الطلب.
قرأه، وابتسم.
300 شخص؟
هزيت رأسي.
قال
فاكرة لما كنتِ بتقوليلي نفسك يبقى عندك مكان كبير؟
ضحكت
فاكرة لما كنت بتقوليلي خليها حاجة بسيطة؟
سكت شوية وقال
كنت غلطان.
وبعدين قال
بس دلوقتي عايز أصلح.
في اليوم ده، بدأنا نجهز للحفلة.
كان أكبر تحدي ليا.
مش بس عشان العدد
لكن عشان أثبت لنفسي قبل أي حد إني أقدر.
كل الفريق اشتغل معايا.
وأول شخص دخل يساعدني كان أخت جوزي.
قالت
أنا عارفة إن مفيش حاجة هتمسح اللي عملته، بس عايزة أتعلم منك بجد.
بصيت لها.
وقلت
اللي بيتعلم ويعترف بغلطه يستاهل فرصة.
بدأت تساعدني.
أما حماتي، فكانت مختلفة.
ما بقتش تتكلم عن مين أحسن من مين.
بقت تقول للناس
مرات ابني عملت المشروع ده من تعبها.
الجملة دي كانت بسيطة
لكن بالنسبة لي كانت أكبر اعتذار.
وجاء يوم الحفل.
وصلت قبل الجميع.
وقفت قدام المكان اللي كان زمان مجرد مخزن قديم.
دلوقتي بقى مطبخ كبير، مليان حركة وناس شغالة.
دخلت صاحبة الحفل.
بصت حولها وقالت
عارفة أنا اخترتك ليه؟
قلت
ليه؟
ابتسمت
لأن أول مرة شفتك، الناس كانت بتحاول تاخد حقك في كلمة وإنتِ بدل ما تضيعي وقتك في إثباتها، اشتغلتي.
الكلام
لكن المفاجأة حصلت بعدها.
وأنا بلف في القاعة
لقيت لوحة صغيرة معلقة على الحائط.
قربت منها.
كان مكتوب
من مطبخ صغير بدأ بحلم إلى مكان بُني بالإصرار.
وتحتها كان اسمي.
وقتها جوزي وقف جنبي وقال
المرة دي محدش يقدر ينسب تعبك لحد تاني.
ابتسمت.
لكن قبل ما نكمل الاحتفال
دخل شخص لم أره من شهور.
كان ماسك ظرف في إيده.
قال
أنا جاي أعتذر.
بصينا له.
كان الشريك القديم لوالد جوزي.
قال
أنا ظلمتكم لما صدقت كلام اتقال لي.
وسلم الظرف لجوزي.
لكن فيه حاجة لازم تعرفوها عن والدك قبل ما أخرج من حياتكم.
فتح جوزي الظرف.
وكان بداخله خطاب قديم.
خطاب كتبه والد جوزي قبل وفاته
وكان موجّه لي أنا بالاسم.
لكن السؤال كان
إزاي عرف اسمي وقتها؟ ولماذا كتب لي رسالة قبل ما يعرفني أصلًا؟مرت الأيام، وبدأ اسم المشروع ينتشر أكتر مما كنت أتخيل.
في البداية كنت فاكرة إن أكبر تحدي هو الطبخ
لكن اكتشفت إن أصعب حاجة كانت التعامل مع الناس.
ناس كانت تشوف نجاحك وتفرح لك
وناس كانت مستنية أي غلطة عشان تقول شفنا؟ ما كناش غلطانين.
وفي يوم، وأنا في المطبخ براجع طلبات الأسبوع، دخل جوزي وهو ماسك ظرف.
قال
عندي حاجة ليكي.
بصيت له باستغراب.
إيه ده؟
ناولني الظرف.
فتحته
وكانت دعوة لحضور معرض كبير للمشروعات الصغيرة.
قال
عايزينك تعرضي قصتك وتجربتك هناك.
ضحكت
قصتي؟
قال
آه لأن الناس مش محتاجة تشوف الأكل بس، محتاجة تعرف إن وراه حد تعب.
ابتسمت.
لكن وأنا بقرأ الدعوة، وقفت عند اسم الجهة المنظمة.
كان نفس المكان اللي كانت فيه الست
قلت
هي عرفت عني؟
قال
هي اللي رشحتك.
في يوم المعرض، كنت واقفة قدام جناحي، والناس بتسأل عن الأكل وطريقة الشغل.
وفجأة سمعت صوت مألوف
مبروك.
لفيت
كانت حماتي.
لكن المرة دي كانت مختلفة.
مش جاية تنتقد.
كانت ماسكة علبة حلو صغيرة.
قالت
عملتها بنفسي.
ضحكت
إنتِ؟
قالت
آه اتعلمت منك.
حطت العلبة قدامي وقالت
زمان كنت فاكرة إن لو حد نجح، يبقى أخد مكاني. دلوقتي فهمت إن نجاحه ممكن يفتح باب لينا كلنا.
ابتسمت.
لأول مرة حسيت إن الحكاية خلصت فعلًا.
لكن وأنا بتكلم مع الناس في المعرض، جالي شخص كبير في السن.
وقف قدامي وقال
ممكن أسألك سؤال؟
قلت
اتفضل.
قال
إنتِ صاحبة الوصفة اللي فيها الصوص المميز؟
ابتسمت.
آه.
ضحك وقال
كنت بدور على صاحبتها من زمان.
استغربت.
ليه؟
طلع صورة قديمة من محفظته.
كانت صورة لوالدة والدتي وأمي وهي صغيرة.
اتجمدت مكاني.
قال
الوصفة دي مشهورة عند عيلتنا من زمان.
بصيت للصورة مرة تانية.
وقلت
إزاي وصلت عندك؟
تنهد وقال
لأن في حكاية قديمة بين عيلتك وعيلة والد زوجك
سكت.
ثم أضاف
وحكاية الصوص دي مش مجرد وصفة أكل.
نظرت له بصدمة.
أمال إيه؟
قرب الصورة مني وقال
دي كانت بداية شراكة قديمة جدًا ووالد زوجك كان يعرف عنها.
وقتها فهمت إن وراء الوصفة اللي كنت فاكرة إنها مجرد سر من أمي
كان فيه فصل تاني من الحكاية.
فصل ما حدش حكاه لي قبل كده وبعد ما رجعنا البيت، فضلت أفكر في كل اللي حصل.
من عزومة بسيطة كنت فاكرة إنها مجرد يوم تعب
طلعت بداية فصل جديد في حياتي.
الوصفة اللي
كل ده كان بيقودني لحاجة أكبر.
بعد فترة، عملنا بحث عن حكاية الوصفة القديمة.
وعرفنا إن والدي ووالد جوزي كانوا يعرفوا بعض من زمان، وكان بينهم حلم يعملوا مكان للأكل البيتي يجمع وصفات العائلات.
لكن الحلم توقف بسبب ظروف الحياة.
والأجمل إن والد جوزي كان محتفظ بدفتر صغير كتب فيه أفكار ووصفات، وكان كاتب في آخر صفحة
الأكل مش بس طعم الأكل حكايات ناس وتعب قلوب.
وقتها فهمت ليه كان مؤمن إن المكان ده لازم يروح لحد عنده شغف حقيقي.
مش لحد عنده اسم أو مظهر.
مرت سنة
وبقى المشروع له اسم معروف.
وبقى عندي ناس شغالة معايا، وبقيت أنا اللي بدي فرص لغيري زي ما كنت محتاجة فرصة زمان.
أما جوزي، فبقى أول شخص يقف جنبي.
كل ما حد يسأله
إيه سر نجاح مراتك؟
كان يبتسم ويقول
إنها كملت حتى وهي لوحدها.
أما حماتي، فبقيت علاقتي بيها أهدى.
مش معنى كده إن اللي حصل اتنسى
لكنها اتعلمت إن دعم شخص مش بيقلل من قيمة شخص تاني.
وفي أول مناسبة عائلية بعد نجاح المشروع، حماتي قامت قدام الناس وقالت
قبل كده قلت إن بنتي هي اللي عملت الأكل النهاردة أحب أصلح الكلام.
وأشارت لي.
هي اللي بدأت من الصفر، وهي اللي تستحق كل كلمة حلوة اتقالت.
ابتسمت.
لأن أكبر انتصار ليا ما كانش إن الناس عرفت مين طبخ.
كان إنّي عرفت قيمة نفسي.
ومن يومها، لما حد يسألني عن سر نجاحي، بقول
ما تستناش حد يديك مكانك اشتغل لحد ما المكان يبقى هو اللي يستناك.
والحكاية
انتهت بمشروع كامل يحمل اسمي.
لأن أحيانًا أكبر رد على اللي يقلل منك
مش إنك تثبت له إنك صح.
لكن إنك تنجح لدرجة إن الحقيقة تبقى واضحة من غير ما تتكلم.