حمـاتي أجـبرتني أنا وبناتي التلاتة ننام جنب الغسالة حكـايات مني السيد

لمحة نيوز

دي مش زعلة وترجع، المرة دي أنا فوقت.
حطيت الورقة على الترابيزة جنب مفاتيح عربيتها وساعته الدهب.
صحيت ملك وجنى بالراحة. ملك كانت مكسرة من النوم على الأرض، وقامت وهي بتمسح عينيها وتسألني بصوت واطي ماما.. إحنا رايحين فين؟ هي الساعة كام؟
قلتلها ابتسامة قوية، من قلبي رايحين مكان نظيف يا ملك.. مكان هتنقلوا فيه براحتكوا، وما حدش هيقولكوا فيه إنكوا مالكوش لازمة.
ملك بصتلي بفهم، أكبر من سنها بكتير. هزت راسها وراحت شالت الشنطة الصغيورة بتاعة أختها جنى. شلت تالا على دراعي وهي لسه نايمة ومتبنجة، ومسكت إيد جنى، وملك كانت ماسكة الشنطة الكبيرة بتجرها ورايا ببطء عشان ما تعملش صوت على السيراميك.
فتحت باب الشقة.. باب البيت اللي قضيت فيه 11 سنة من عمري. أمتى دخلته عروسة بحلم بالبيت والسعادة؟ وأمتى طالعة منه في نص الليل مطرودة بأبشع طريقة؟
نزلنا السلم درجة درجة. الجو بره كان ساقعة والشارع فاضي ومفيش غير أنوار اللمبات الصفراء. وقفت على أول الشارع، ماسكة بناتي، والشنط جنبنا.
تالا فتحت عينيها ببطء، وبصت للشارع وشمّت الهواء الساقع وقالتلي بصوت كله نوم ماما.. إحنا رايحين عند تيتة؟
ابتسمت ومسحت على شعرها رايحين عند تيتة وشريف يا قلب ماما.
أبويا الله يرحمه سابلي أنا وأخويا شريف شقة صغيرة في منطقة شعبية، شقة مقفولة بقالها سنين من يوم ما اتجوزت. أخويا شريف طيب، بس ظروفه على قده وساكن مع مراته في مكان تاني. الشقة دي كانت أملي الوحيد.. المكان الوحيد اللي مش هيذلني فيه حد.
أخدنا تاكسي بعد انتظار نص ساعة في الساقعة. طول الطريق، ملك كانت باصة من الشباك وساكتة، وجنى نايمة على ركبتي، وتالا محشورة . التاكسي كان ماشي في شوارع القاهرة الفاضية، وأنا عقلي شغال زي الماكينة.
. هأكلهم منين؟ هأدفع مصاريف مدارسهم إزاي؟ أنا معاييش غير ألفين جنيه كنت شايلاهم للظروف، وشوية دهب خفيف. بس بالرغم من كل الخوف ده.. حسيت بنظافة في صدري، حسيت إني بتنفس هواء نقي لأول مرة من سنين.
وصلنا الشارع الضيق. العمارة القديمة اللي تربيت فيها. طلعت السلم العالي وأنا شايلة تالا وجارة الشنطة، وملك شايلة أختها جنى اللي خلاص مش قادرة تمشي من التعب.
فتحت باب الشقة المفتاح كان معصج في القفل من كتر الرطوبة. أول ما الباب اتفتح، ريحة التراب والكركبة طلعت في وشنا. الشقة كانت ضلمة وطافية، بس بالنسبة لي كانت القصر اللي هيحميني أنا وبناتي.
دخلت البنات، حطيت ملاية قديمة كانت في الدولاب على السرير الصغير، ونيمتهم عليها وغطيتهم بجواكتهم. تالا وملك وجنى ناموا في ثواني من كتر التعب والجري في نص الليل.
قعدت أنا على الأرض، سندت ضهري على الحيطة المقشرة، وبصيت لساعة إيدي.. كانت الساعة بقت ستة الصبح.
في الوقت ده بالظبط.. هناك في الشقة الكبيرة.. أحمد هيصحى من النوم. هيدور عليا، وهيلاقي الورقة. والحاجة فوزية هتصحى، وتكتشف إن أم البنات أخدت بناتها ومشت، وهتبدأ الحرب الحقيقية.
موبايل يرن في الشنطة.. النغمة المخصصة لأحمد.
بصيت للشاشة وهي بتنور باسمه، وما فردتش صباعي عشان أرد. سبت الموبايل يرن ويرن لحد ما سكت، وبعدين فتحت الشنطة، طلعت شريحة الخط، كسرتها نصين رميتها في الزبالة.
النهاردة.. ندى القديمة ماتت في أوضة الغسالة. وندى الجديدة هي اللي هتبدأ تعيش.
الفصل الثالث
الشمس بدأت تشرق وندت نور خفيف من شباك الصالة المترب. صوت العصافير بره كان هادي، بس جوايا كان فيه بركان بيغلي. كسري للشريحة ما كانش مجرد تصرف انفعالي، ده كان إعلان رسمي إن الصفحة القديمة اتقفلت للأبد،
وإن كل الخيوط اللي كانت بتربطني ب ندى المستسلمة اتقطعت.
بصيت على بناتي وهما نايمين على السرير القديم. تالا كانت ضامة إيديها الصغيرين لخشتها، وجنى ومك لافين نفسهم في الجواكت التقيلة. الشقة كانت تلج ورائحة التراب ماليان المكان، بس الغريب إن قلبي كان حاسس بدفا عجيب.. دفا الحرية.
قمت بالراحة عشان ما أصحيش البنات، وبدأت ألف في الشقة اللي سبتها من 11 سنة. الشقة صغيورة.. أوضتين وصالة ومطبخ وحمام. الحيطان مقشرة من الرطوبة، والشبابيك عليها طبقة تراب تقيلة، والمطبخ فاضي مفيش فيه حتى كباية مية نظيفة. بس دي كانت ساحتي، ملكي، المكان الوحيد اللي ما حدش يقدر يقولي فيه أنا صاحب البيت وأنا اللي أقرر.
جمعت شوية قماش قديم من الدولاب، وشمرت دراعاتي وبدأت أشتغل. مسحت التراب، كنست الأرض، وفتحت الشبابيك عشان هواء الصبح يدخل يطرد ريحة الخنقة والتخزين. كل حركة كنت بعملها كانت بتخليني أحس بإني بسترد جزء من نفسي اللي ضاع في بيت الحاجة فوزية.
على الساعة تسعة الصبح، تالا صحيت وهي بتدعك في عينيها.
ماما.. أنا عطشانة.
ابتسمت وطوّطت باستها صباح الخير يا قلب ماما. ثواني وهجيبلك أحلى مية وعشا.. قصدي فطار.
ملك وجنى صحيوا هما كمان. ملك قعدت على السرير وبصت حواليها باستغراب، المكان غريب عليها، بس أول ما عينها جت في عيني، شافت الإصرار اللي فيهم، فابتسمت ابتسامة هادية وكأنها بتقولي أنا فاهمة يا ماما، ومكملة معاكي.
قلت للبنات بضحكة قوية عشان أطمنهم يلا يا حلوين، النهاردة عندنا مغامرة كبيرة. هننزل نشتري فطار ونظف قصرنا الجديد!
نزلنا الشارع الشعبية اللي تحت العمارة. الريحة كانت مختلفة.. ريحة الفول والطعمية الطازة، صوت البياعين، حركة الناس البسيطة. اشتريت فول وطعمية وجمعت شوية
طلبات أساسية شاي، سكر، جبنة، عيش، وشوية منظفات وملايات جديدة رخيصة من المحل اللي على أول الشارع.
رجعنا الشقة، أفطرنا مع بعض على الأرض. البنات كانوا مبسوطين برغم البساطة، جنى كانت بتضحك وتقول ماما، الطعمية دي طعمها أحلى من الأكل اللي بنأكله عند تيتة فوزية!
ردت ملك بذكاء عشان بنأكلها وإحنا مرتاحين يا جنى.
كلام ملك نزل على قلبي زي البلسم. البنات مش محتاجين سراير متنجدة ولا فيلا كبيرة.. هما محتاجين كرامة، محتاجين يحسوا إنهم غاليين.
بعد الفطار، مسكت الورقة والقلم وقعدت أحسب أموري.
المبلغ اللي معايا كله ألفين وربعمية جنيه. شوية الدهب اللي حيلتي غويشتين وخاتم كانوا بتوع أمي الله يرحمها.
المصاريف المطلوبة إيجار الشقة دي ملكي والحمد لله، بس محتاجة مصاريف أكل وشرب، ومصاريف مدارس البنات اللي لازم تنقل لمكان قريب هنا عشان ما يضيعش عليهم الترم.
الرقم كان يخوف، والتحدي كبير.. بس أنا مش هضعف.
على الساعة واحدة الظهر، سمعت خبط على الباب. الخبط كان سريع ومرتبك.
مسكت إيد ملك وقلتلها خليكي جوه مع أخواتك وما تطلعيش.
مشيت لحد الباب وفتحت بالراحة من غير ما أشيل السلسلة. شفت وش أخويا شريف. كان وشه أحمر وناهت، وباين عليه الجري.
ندى! إنتي هنا؟ فتحي يا ندى بسرعة!
فتحت السلسلة وطلعت. شريف دخل وهو بيدور بعينيه في الشقة، أول ما شافني مسكني من كتفي وقال بصدمة
إيه اللي حصل يا ندى؟! أحمد قلب الدنيا عليكي! جاني الورشة زي المجنون، وكان هيتخانق معايا وفاكرني مخبيكي! موبايلك مقفول ليه؟ وأمه بتتصل بمراتي وتقول كلام يطير العقل!
بصيت لشريف ببرود وقلتله
تعال اقعد يا شريف، ووطي صوتك عشان البنات جوه.
أقعد إيه وزفت إيه! شريف قالها بعصبية وهو بيمسح عرقه. أحمد بيقول إنك لمتي هدومك
ومشيتي في نص الليل وأخدتي البنات! أمه بتقول
تم نسخ الرابط