حمـاتي أجـبرتني أنا وبناتي التلاتة ننام جنب الغسالة حكـايات مني السيد
المحتويات
إنك اتجننتي عشان مفيش مكان للضيوف! فهميني فيه إيه؟ إزاي تسيب بيتك وتيجي تقعدي في الكركبة دي؟
قعدت على حتة الكنبة القديمة، وبصيت لأخويا بمنتهى الثبات
شريف.. إنت عارف اختك. أنا استحملت 11 سنة عشان أحافظ على بيتي. استحملت قلة القيمة، والإهانات، وكلام حماتي اللي زي السم عن إني ما بجيبش ذكور. كل ده كنت ببلعه وأقول عشان أحمد.. عشان المركب تمشي.
شريف سكت وش وشه اتغير لما شاف دموعي اللي حنستها بالعافية.
كملت وصوتي بدأ يترعش بس بقوة
عارف البارحة حصل إيه؟ حماتي طردتني أنا وبناتك التلاتة من الأوضة، ونيمتنا على أرضية أوضة الغسالة.. جنب السيراميك التلج والخرطوم! ولما بنتك جنى سألت أبوها وهي بتبكي هو إحنا مالناش لازمة يا بابا؟.. عارف أحمد رد بإيه؟
شريف بصلي بزهول قال إيه؟
ما نطقش يا شريف! وطي وشّه في الأرض، وساب أمه تقول عليا وعلى بناته إننا مالناش قيمة، ومشي ورا أمه عشان يكمل عشاه مع الضيوف وقفل الباب علينا في أوضة الغسالة!
شريف وشه اتغير 180 درجة. عروق رقبته ضربت، وإيديه اتجمعت في شكل قبضة قوية.
ال ينيم بناتي أنا جنب الغسالة؟! أحمد يعمل كده؟!
أحمد عمل أكتر من كده يا شريف.. أحمد قتلني وقتل بناته بسكوته. أنا مش راجعة البيت ده تاني لو على رقبتي.
شريف قعد جنبي ومسك إيدي، والعصبية اللي كانت فيه تحولت لوجع وأخوة حقيقية
حقك عليا يا ندى.. حقك عليا يا أختي إني ما كنتش حاسس بيكي. ورب الكعبة ما هترجعي له ولا هتدخلي بيته تاني إلا وأنت مرفوعة الراس! الشقة دي شقتك، وأنا معاكي وفي ضهرك بكل اللي أقدر عليه.
في اللحظة دي، حسيت إن عندي سند بجد.
بس يا ندى.. شريف قالها وهو بيفكر، أحمد مش هيسيبك. هو اتجنن لما لقى الورقة ولقاكي كاسرة
قلتله أحمد جه هنا مرتين في أول جوازنا.. غالباً مش فاكر العنوان بالظبط في الشوارع الضيقة دي، بس أكيد هيوصل.
خليه يوصل! شريف قالها وهو بيقف بشرارة خليه يجي عشان أعرفه إزاي يسترجل على حريمه وبناته!
قلتله بسرعة لا يا شريف.. مش عاوزين مشاكل وضرب. أنا مش هربانة عشان أعمل فضايح، أنا مشيت عشان أبدأ حياة نظيفة لبناتي. أنا محتاجة اشتغل، ومحتاجة انقل البنات للمدرسة اللي هنا.
شريف بصلي باستغراب تشتغلي إيه يا ندى؟ إنتي بقالك 11 سنة ما اشتغلتيش، وشهادتك في المكتبات دي مين هيشغلك بيها دلوقتي؟
ابتسمت بثقة لأول مرة من سنين شهادتي موجودة يا شريف، وأنا طول السنين دي كنت بقرا وأتعلم، ومش هعدم الشغل. أنا ندى اللي طلعت الأولى على دفعتها، مش ندى الخدامة اللي كانت في بيت الحاجة فوزية.
شريف اتنهد وقال أنا معاكي.. الدهب اللي معاكي ده نبيعه النهاردة ونجيب بيه التجهيزات الأساسية للشقة، وأنا هدفعلك مصاريف نقل البنات، ومحدش ليه حاجة عندك.
النهار بدأ ينصف، والشقة بدأت تنظف وتتغير حتة حتة. شريف نزل اشترى لنا سريرين رخاص ومراتب سفنج، وشوية أدوات مطبخ أساسية. البنات كانوا طايرين من الفرحة وهما بيساعدونا، وكانوا حاسين إنهم في مخيم صيفي مش في أزمة.
على الساعة ستة المغرب، الجو بدأ يظلم. كنا قاعدين بنشرب شاي في الصالة بعد ما ركبنا لمبات جديدة ونظفنا المكان.
وفجأة.. سمعنا خبط جامد على الباب الرئيسي للعمارة تحت!
صوت زعاق في الشارع.. صوت أنا حافظاه كويس، صوت أحمد وهو بيصرخ باسمي
ندى! اطلعي يا ندى! افتحي يا ندى أنا عارف إنك هنا!
وصوت
انزلي يا خطافة الرجالة! انزلي يا اللي خدتي البنات وهربتي في نص الليل زي الحرامية!
المنطقة الشعبية كلها بدأت تتفرج من الشبابيك.
جنى وتالا استخبوا ورايا وهما مرعوبين. ملك بصتلي وقالت بصوت ثابت ماما.. مش هترجعيلهم صح؟
شريف وقف بغضب ومسك عود خشبي كان جنب الباب وقال أنا نازل أربيهم في الشارع!
مسكت إيد شريف وقلتله بصرامة
استنى يا شريف.. ما تنزلش. سيبهم يزعقوا لما يشبعوا.
مشيت لحد شباك الصالة اللي بيبص على الشارع. فتحت الخشب الخفيف وبصيت تحت.
أحمد كان واقف في نص الشارع، بدلته مبهدلة، شعره نكش، وعينيه أحمر من كتر التدوير والخوف. وجنبه أمه الحاجة فوزية، لابسة عبايتها الشياكة، وبتبص للعمارة القديمة بقرف، وعمالة تشتم وتصوّت عشان تلم الناس علينا.
أول ما أحمد شافني فتحت الشباك، زعق بعلو صوته وهو بيرفع إيده
ندى! انزلي يا ندى! إيه الجنان ده؟ سايبة البيت وجاية تقعدي في المكان ده؟ تعالي معايا فوراً!
والحاجة فوزية صرخت
انزلي يا فاجرة! أخدتي بناتي وابني ووخدانا على مشامك؟ انزلي سلمي البنات لأبوهم وارتصي في بيتك!
الناس في الشارع بدأوا يتجمعوا ويبصوا.
أنا ما اترعبتش، ما بكيتش، وما استخبيتش.
وقفت في الشباك بثبات، وبصيت لأحمد في عينيه من فوق.. بصة كبرت فيها ألف سنة، وقاطعة كل طريق للرجوع.
قلت بصوت عالي وواضح، سمع الشارع كله
أنا ما هربتش يا أحمد.. أنا خرجت بكرامتي وبناتي معايا! والبيت اللي نيم بناتي جنب الغسالة وقالي إن مالهومش لازمة.. حُرم عليا وعلى بناتي ليوم الدين!
أحمد وشه اتصدم، والحاجة فوزية وقفت تنح ومكتمت كلامها، والشارع كله سكت ينتظر اللي جاي
الفصل
الشارع كله كان واقف على رجل واحدة. الناس في البلكونات واللي واقفين في المحلات، كلهم عينيهم عليا وأنا واقفة في الشباك بثبات مش قادرة أصلاً أصدق إنه طالع مني.
أحمد كان بيتنفس بصعوبة، وشه رايح وجاي، بين الصدمة من مظهري وبين الإحراج قدام الناس في الشارع. أما الحاجة فوزية، فوصلت لمرحلة من الغضب كانت خلّت وشها يحمرّ ويتجعد أكتر.
صرخت الحاجة فوزية وهي بترفع صباعها في وشي
بتفضحينا في الشارع يا ندى؟ دي آخرة عطفنا عليكي؟ طالعة تقولي للناس غسالة وما غسالة؟ ده أنتوا كنتوا عايشين في خير ابني وفي بيته السيراميك والمكيفات! جاية دلوقتي ترمي بناته في العمارة المقشرة دي عشان شوية دلع حريم؟
أحمد مسك دراع أمه يسكتها، وبصلي بصوت أهدى، بس كان فيه نبرة توتر وغضب مكتوم
ندى.. انزلي يا بنت الحلال. الكلام ده ما يتقالش في الشارع قدام اللي يسوى واللي ما يسواش. انزلي ونتفاهم فوق، أو اركبي معايا العربية ونروح بيتنا ونتكلم هناك. البنات ملهمش ذنب في الهبل ده.
بصيت له بكل الهدوء اللي في الدنيا، وقضيت ثواني سكووت خلت الشارع كله يركز مع كلمتي الجاية
البنات ملهمش ذنب فعلاً يا أحمد.. عشان كده أنا أخدتهم وبعيدتهم عن البيت اللي بيكسرهم. إنت جايب أمك تصرخ وتفضحنا، وجاي تقولي نتعاتب؟ عتاب إيه اللي فاضل بعد ما نيمت بنتك تالا ذات الأربع سنين على السيراميك التلج، وسكت لما أمك قالت لجنى إنها مالهاش لازمة هي وأخواتها عشان بنات؟
الستات في البلكونات المجاورة بدأوا يتهامسوا، وواحدة جارتنا قديمة اسمها أم سيد صرخت من بلكونتها
يا ساتر يارب! ينيموا البنات جنب الغسالة عشان بنات؟! إيه القسوة دي يا ناس!
الحاجة فوزية بصت لأم سيد بغيظ وقالت
سكتي
متابعة القراءة