حفيدتى
ليه؟
بصتلي بحزن وهمست
بابا قال إنك مش هتفهمي.
الكلمة دي نزلت عليا زي الصاعقة.
إيه اللي أنا مش هفهمه؟
ساعتها افتكرت حاجة كنت بحاول أنساها.
من خمس سنين، يوم ما أحمد قالي إنه هيتجوز نهى، اعترفلي إنها كانت مطلقة وعندها بنت من جوازها الأول، والبنت عندها إعاقة.
وقتها... قلت كلام عمري ما سامحت نفسي عليه.
قلتله إنه هيشيل حمل مش حمله.
وقلت إن تربية بنت بالحالة دي هتبقى مسؤولية كبيرة وهتتعبه طول عمره.
أحمد ساعتها سكت، قام من قدامي، ومشي.
ومن يومها... عمره ما جاب سيرة البنت دي تاني.
تاني يوم الصبح، وأنا معدية جنب المطبخ، سمعت نهى بتتكلم بصوت كله حنان.
صباح الخير يا حبيبتي... نمتي كويس؟
استغربت.
لأن سلمى كانت لسه نايمة في أوضتها.
قربت من باب المطبخ وهو موارب.
وشفت نهى وهي بتأكل حد... لكن الشخص كان مستخبي ورا الباب، ومقدرتش أشوفه.
في اللحظة دي، أيقنت إن في سر كبير مستخبي جوه بيتي...
وساعتها ما كنتش أعرف إن الحقيقة اللي هتتكشف بعد شوية هتقلب حياتي كلها.
وقفت مكاني متجمدة قدام المطبخ، أنفاسي بتتسارع، وكل ذرة شك جواه اتحولت لليقين. السر ده مش متعلق بسلمى لوحدها.. في حد تاني جوه البيت ده، حد مدارينه عن عيني، وحد أحمد ونهى بيحاربوا بكل الطرق عشان يبعدوه عني وعن العالم.
قلت لنفسي بصوت عالي كفاية عشان تسمعني نهى.. أنا لازم أشوف بنفسي مين جوه.
نهى اتخضت وطلعت بسرعة من المطبخ، وشها أصفر تمامًا والطبق وقع من إيدها اتكسر لمية حتة. وقفت قدامي وهي بترتجف وعنيها مدمعة ارجوكِ يا طنط.. ارجوكِ سيبينا في حالنا، إحنا ما صدقنا لاقينا مكان نستخبى فيه مؤقت!
في اللحظة دي، طلع أحمد من الصالة على صوت الكسر، وبمجرد ما شافني واقفة قصاد نهى وباصة ناحية باب المطبخ، فهم كل حاجة. مسك دماغه بإيديه الاثنين وقال بيأس خلاص يا نهى.. ما عادش ينفع نخبي أكتر من كده. أمي لازم تعرف.
ساعتها قلبي اتقبض أكتر. بصيت له واستنيت الكلام اللي هيزلزلني.
قال بصوت مكسور فكراني اتجوزت نهى وهي مطلقة وعندها بنت واحدة زي ما قلت لك زمان؟ الحقيقة مش كده خالص يا أمي.. نهى كان عندها توأم. بنتين بنات عمة أو أختين متطابقتين.. سلمى، وبنت تانية اسمها مريم.
فتحت عيني على وسعهم وقلت بصوت بيترعش مريم؟! فين مريم دي؟!
نهى انهارت في العياط وقعدت على الأرض وهي بتعيط بحرقة مريم مش مجرد طفلة معاقة يا طنط.. مريم بعد الحادثة اللي حصلت لها من سنين، جالها نوع نادر من التوحد الحاد وصدمة عصبية بتخليها تخاف من النور القوي والأصوات العالية، وأي تجمع بشري بيجيلها نوبة تخليه تأذي نفسها. وفي نفس الوقت.. هي متعلقة بيا وبأختها بشكل جنوني، ومابتنامش ولا بتقعد غير في مكان ضيق وهادي يشبه الرحم.. زي الحمام أو الأوض الضيقة المقفولة.
أحمد كمل كلامه، وعنيه لمعت بالدموع لما شقتنا حصل فيها ماس كهربائي وحريق صغير دمر جزء كبير منها، ما لقيناش قدامنا غير بيتك عشان نقعد فيه الكام يوم دول لحد ما نظبط الأوضة اللي آخر الطرقة ونعزلها عشان تكون آمنة لمريم. بس كنا خايفين.. خايفين من كلامك القديم، خايفين ترفضي وجودها هنا، وخايفين إنها تزعجك بصراخها بالليل. عشان كده كنا مخبينها.. سلمى كانت بتذاكر جوه الحمام جنب الأوضة المؤقتة اللي قاعدة فيها أختها عشان تطمنها وتقرأ لها القصص وهي جوه، والهدوء اللي في الحمام كان بيساعد مريم تههدى!
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة.. حسيت إن الزمن بيرجع بيا لورا خمس سنين. تذكرت كلامي القاسي وقسوة قلبي زمان.. وكيف إن ابني اضطر يكذب ويخبي عني حفيدته الثانية عشان كان خايف من جرحي القديم وقسوة حكمي.
دموعي نزلت غصب عني، بصيت لنهى وهي قاعدة على الأرض مكسورة، وبصيت لأحمد اللي مستني مني نظرة لوم أو رفض.
لكن بدل ما أتكلم، مشيت بخطوات بطيئة ناحية آخر الطرقة.. ناحية الأوضة اللي كان مفتاحها معاه دايماً.
فتحت الباب ببطء شديد.
الأوضة كانت مظلمة تمامًا، النور فيها خافت ومريح، وعلى السرير الصغير كانت قاعدة طفلة في نفس سن سلمى تقريبًا، عيونها واسعة وبتبص لي بخوف بريء، وحاضنة في إيدها دبدوب قديم. دي كانت مريم.
قربت منها بخطوات ثابتة، ونزلت على ركبتي قدامها على الأرض، ومديت إيدي وأنا ببتسم وبدموعي اللي مالية وشي أزيك يا مريم.. أنا تيتة.. سامحيني يا حبيبتي، أنا أسفة إني كنت غبية ومش فاهمة زمان.. بس من اللحظة دي، البيت ده بيتك، ومحدش أبداً هيخبيكي عن حضني تاني.
مريم بصت لي ثانية طويلة.. وبعدين ببطء شديد، مدت إيدها الصغيرة ولمست وشي، وطلعت ابتسامة صغيرة دافية من قلبها.
طلعت ورايا نهى وأحمد، وشايفين المنظر وهم بيعيطوا من الفرحة والراحة اللي أخيرًا ملات قلوبهم.
من اليوم ده.. بيتي ما بقاش بس واسع وكبير، ده رجعت له الروح والحياة الحقيقية، وعرفت إن أكبر نعم ربنا مش في الحاجات اللي بنختارها، دي في الرحمة اللي بتنزل على قلوبنا فجأة عشان تصلح كل حاجة كسرناها زمان.