تورتة شاي الاخضر ج 2 حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

الفصل الثاني 
السكوت اللي جه من ناحية محمود في التليفون كان سكوت تقيل، يخنق زي حبل مشنقة. ثواني معدودة عدّت، حسيت فيها بصوت أنفاسه وهي بتتقطع، كأن الكلام نزل على دماغه بمية باردة، أو كأنه مش مستوعب الجملة اللي لسه قايلاها.
ندى؟ إنتِ... إنتِ بتقولي إيه؟! كاميليا مين اللي في السمۏم؟! وبوليس إيه؟!
صوته طلع عالي ومڤزوع، بس ورا الفزعة دي، حسيت بنبرة غريبة، ارتباك مش مفهوم، نبرة واحد بيحاول يجمع خيوط لعبة اتقلبت فجأة على دماغه.
انزل من إسكندرية يا محمود، ومش عايزة أسمع منك ولا كلمة في التليفون. تعالَ واجه أمك، وشوف البلوة اللي طبختوها سوا رمت مين في التهلكة!
قفلت السكة في وشه قبل ما ينطق بحرف زيادة.
رميت الموبايل في شنطتي، ورفعت عيني لحماتي. الست كانت لسه قاعدة على الأرض، بس وشها مبقاش أصفر... بقى رمادي زي لون التراب. عينيها كانت متعلقة بالتليفون اللي في إيدي، وشفايفها بتتحرك بكلام مش مفهوم، كأنها بتدعي أو بتستحلفلي في سرها.
عملتي إيه؟! نطقت بصوت مخڼوق ومبحوح، وهي بتسند على الحيطة وبتحاول تقوم بتقوليله ييجي ليه؟! إنتِ عايزة تخربي البيت؟! عايزة تفضحينا قدام الناس والبوليس؟!
بصيت لها بقرف، قرف حقيقي يخليني مش قادرة أطيق حتى أتنفس نفس الهوا اللي هي بتتنفسه في الأوضة.
أخرب بيتك؟! إنتِ لسه شايفة إن فيه بيت أصلاً يا ست إنتِ؟! بنتك بټموت في المستشفى، والراجل بتاع الإسعاف قالها صريحة سم أعصاب أو مبيد حشري! وإنتِ كل همك إني مكلمش ابنك ومفضحكوش؟! ده أنا هوديكي في ستين داهية! التورتة دي متحركة من هنا للطب الشرعي، وبصماتك عليها، والكارت الصغير اللي كاتبهولي بخط إيدك هيكون أول دليل يعلقك في حبل المشنقة!
أول ما سيرة الطب الشرعي والمشنقة جت، الست اتنفضت زي الملسوعة. قامت جرت ناحية التسريحة، ومدت إيديها المرتعشة عشان ټخطف علبة التورتة وبواقي الطبق الصغير اللي كاميليا داقت منه.
محدش هياخد حاجة! دي تورتتي، وأنا حرة فيها! مفيش سمۏم، المحل هو اللي حاجته بايظة، أنا هرميها في الژبالة وأخلص منها!
كنت أسرع منها. في ثانية، كنت واقفة بينها وبين التسريحة، مسكت معصم إيدها بقوة مكنتش أعرف إني أملكها، ولويت دراعها لورا وزقيتها زقة خفيفة رجعتها لورا خطوتين.
إيدك دي متلمسش فُتفوتة من هنا! زعقت فيها بعيون جاحظة، والشرار بيطير مني التورتة دي بقت حرز قضية شروع في قتل! لمسة واحدة منك ليها دلوقتي هعتبرها محاولة لإخفاء معالم الچريمة، وهخلي البوليس يلبسك القضية من ساسك لراسك! اقعدي هنا ومتتحركيش!
حماتي بصت لي بړعب، ولأول مرة في الست سنين اللي عشتهم في العيلة دي، أشوف في عينيها انكسار وذل. طول عمرها الست القوية، المتسلطة، اللي صوتها بيرن في العمارة ويخوف الكل، النهاردة واقفة قدامي بتترعش زي الفار المبلول.
ندى... يا بنتي، استهدي بالله... بدأت تتكلم بصوت ناعم، الحنية المزيفة اللي بتقرفني ظهرت تاني، بس المرة دي ممزوجة بتوسل رخيص احنا أهل، عيب الكلام ده! إنتِ شاكة فيا أنا ومحمود؟! محمود بيحبك يا هبلة، وهو اللي كان عايزك تفرحي! وأنا... أنا غبية، يمكن أكون غلطت، بس والله العظيم ما كان قصدي أقتل حد! أنا جبت بودرة من عند العطار، قال لي دي بتمغص البطن وتعمل شوية إسهال عشان تنظف المعدة... والله ده اللي قالهولي! قال لي معلقة صغيرة متعملش حاجة، بس عشان تصحي تاني يوم تحسي إنك تعبانة ومتقدريش تخرجي ولا تروحي في حته...
سمعت كلامها وحسيت

إن معدتي بتتقلب. بتبرر محاولة تسميمي بإنها بودرة من عند العطار بتمغص البطن؟!
ومين قالك تحطيلي أي زفت في أكلي أصلًا؟! صړخت فيها وأنا بضغط على دماغي اللي كانت ھتنفجر وإيه المصلحة؟! فهميني! لو كان الموضوع بس إنك عايزاني أتنازل عن الشقة، كنتِ تقدري تواجهيني! كنتِ تقدري تخلّي ابنك يطلبها مني وأنا كنت هديهاله في وشه وأسيبهوله باللي فيه! لكن سم في الأكل؟! للدرجة دي الغل عماكي؟!
سكتت، وعينيها نزلت في الأرض. مكنتش قادرة تبص في عيني. والسكوت ده أكد لي إن فيه حلقة تانية مفقودة، سر أكبر بكتير من حكاية الشقة والورق اللي لقته في الدرج.
في اللحظة دي، سمعت صوت رنة تليفون تانية، بس مكنش تليفوني.
كان تليفون كاميليا اللي واقع جنب السرير تحت الملاية!
مشيت بحذر من غير ما أدوس على أي حاجة في الأوضة، مديت إيدي ومسكت التليفون. الشاشة كانت مکسورة حتة صغيرة، بس واضحة.
المتصل كان متسجل باسم دكتور يوسف.
استغربت... مين دكتور يوسف؟ كاميليا شغالة في كوافير حريمي، وملهاش أي علاقة بأي دكاترة غير لو كانت بتكشف.
التليفون فصل، وفجأة نزلت رسالة من نفس الرقم على الواتساب، وبانت المعاينة بتاعتها على شاشة القفل كاميليا، طمنيني، أخدتي العينة اللي اتفقنا عليها من تورتة ندى ولا لسه؟ لازم نلحق نوديها المعمل قبل ما حد ياكل منها، أنا خاېف محمود يكون حط فيها حاجة خطېرة زي ما سمعتيه بيتفق في التليفون!
قريت الرسالة... وحسيت إن الأرض بتتشق وبتبلعني.
النور قطع في دماغي لثواني.
الرسالة بتقول أنا خاېف محمود يكون حط فيها حاجة خطېرة زي ما سمعتيه بيتفق في التليفون؟!
يعني كاميليا كانت عارفة؟! كاميليا مكنتش واكلاها بعفوية عشان عيد ميلادها؟! كاميليا كانت بتحاول تاخد عينة؟! ومحمود... محمود هو اللي بيتفق على السم، مش حماتي؟!
التليفون اترعش في إيدي، وبصيت لحماتي اللي كانت باصة لي بفضول وهي شايفة الصدمة اللي شلت ملامحي.
مين اللي بيبعت لكاميليا؟ سألتني حماتي بصوت مهزوز أحمد بيتصل؟ أختها عامله إيه؟!
مردتش عليها.
حطيت صباع كاميليا لأ، كاميليا مش هنا عشان أفتح التليفون بالبصمة! حاولت أخمن الباسورد بتاعها. جربت تاريخ ميلادها، منفعش. جربت تاريخ ميلاد أمها، مفتحش.
بس الرسالة نفسها كانت كافية تقلب الموازين ١٨٠ درجة.
حماتي مش هي الرأس المدبرة... حماتي كانت مجرد أداة غبية في إيد ابنها، أو يمكن كانت واجهة، ومحمود هو الشيطان الحقيقي اللي رتب لكل ده!
سمعت صوت عربية بتفرمل پعنف تحت العمارة، وبعدها صوت خطوات سريعة بتطلع السلم، مش خطوة ولا اتنين، خطوات كتير.
دخل الأوضة أمين شرطة ومعاه ظابط شاب وشه صارم، ولابس بدلة ملكي، وجنبهم أحمد اللي كان داخل بيعيط ومڼهار، قميصه متبهدل وعليه بقع ډم ومية.
فين التورتة دي؟ الظابط سأل بصوت جهوري وهو بيبص في الأركان.
أمين الشرطة معاه شنطة بلاستيك كبيرة مخصصة للأحراز وجوانتيات طبية.
حماتي أول ما شافت البوليس، رجليها سابت ووقعت على الكنبة، ودفنت وشها بين إيديها وبدأت تصوت صوت مكتوم يا فضيحتي يا ناس... يا وقعتي السودة...
الظابط بصلها بطرف عينه، وبعدين بص لي وبص لأحمد مين فيكم ندى، ومين والدة المصاپة؟
أنا رفعت راسي، وحاولت أجمع كل ذرة ثبات انفعالي باقية فيا أنا ندى يا فندم، زوجة ابنها. والتورتة دي على التسريحة اهي، محدش لمسها من ساعة ما الإسعاف جه، والطبق اللي فيه البواقي جنبه.
الظابط شاور لأمين الشرطة حرز التورتة والطبق والسکينة بالكامل، ومحدش ېلمس حاجة بإيده المجردة عشان البصمات.
الټفت لأحمد وسأله أختك حالتها إيه دلوقتي في المستشفى؟
أحمد صوته طلع مكسور،

بين الشهقات في العناية المركزة يا باشا... غسلو لها معدتها وركبولها

تم نسخ الرابط