جوزي عنده عادة ثابته
المحتويات
فيه كل مرة ييجي يبات عند أمه.
لسبب ما، مجرد رؤية عربيته ريحتني.
قلت لنفسي خلاص هو هنا.
ركنت عربيتي على مسافة صغيرة من البيت ونزلت.
كان الجو هادي لدرجة إني كنت سامعة صوت خطواتي وأنا ماشية على الرصيف.
مشيت في الممر الصغير المؤدي لباب البيت.
وكان معايا نسخة احتياطية من مفتاح بيت حماتي، وكنت ناوية أفتح الباب بهدوء وأدخل من غير ما أخبط عشان ما أصحيهاش في الوقت المتأخر ده.
لكن وأنا بطلع درجات المدخل لمحت حاجة خلتني أقف.
كان فيه ضوء خافت جاي من ناحية الصالة.
مش نور قوي، مجرد ضوء ضعيف متقطع كأنه انعكاس تلفزيون شغال في أوضة ضلمة.
بصيت ناحية الشباك الكبير المطل على الصالة.
الستائر التقيلة كانت مقفولة تقريبًا لكن كان فيه فتحة صغيرة جدًا بينها.
وقفت مكاني للحظة واستغربت؛ الساعة بعد اتنين بالليل، قلت يمكن أحمد مش عارف ينام وقاعد بيتفرج على التلفزيون.
وبدل ما أدخل فجأة وأخضه، فكرت أبص بسرعة أشوفه صاحي ولا نام على الكنبة.
نزلت خطوة من على المدخل، ومشيت على النجيلة ناحية الشباك.
كل حاجة حواليّ كانت ساكتة.
قربت أكتر، وبعدين وقفت قدام الجزء الصغير المفتوح بين الستارتين.
ميلت رأسي ناحية الزجاج وبصيت لجوه.
في الأول، عيني مكانتش شايفة كويس بسبب فرق الإضاءة.
الصالة كانت شبه ضلمة، والنور الوحيد تقريبًا كان جاي من التلفزيون.
فضلت باصة كام ثانية لحد ما عيني بدأت تتعود على الظلام، وبدأت تفاصيل الأوضة تظهر قدامي واحدة واحدة الأنتريه، الترابيزة، الكنبة.
وبعدين شوفت أحمد.
وفي اللحظة اللي استوعبت فيها بالظبط إيه اللي كان بيحصل جوه الصالة حسيت إن الدم انسحب من وشي، نفسي اتقطع، وإيدي اللي كانت ماسكة مفتاح البيت بدأت ترتعش.
لأن المشهد اللي كان قدامي كان آخر شيء في الدنيا ممكن أتوقع أشوفه في بيت حماتي الساعة اتنين بعد نص الليل.
وساعتها معدتي وقعت في رجلي من هول اللي شوفته.
كان أحمد قاعد على الأرض، ضهره مسنود على الكنبة، ووشه مدفون بين إيديه.
وحماتي، نادية، كانت قاعدة قدامه، وماسكة في إيدها ظرف أبيض
أول ما شوفته، عرفته فورًا.
لكن قبل ما أفهم الظرف ده بيعمل إيه معاها، سمعت أحمد بيقول بصوت مكسور
لو سبتها دلوقتي مريم لسه قدامها وقت تعيش الحياة اللي نفسها فيها.
نفسي اتقطع.
أنا مكنتش سايقة نص المدينة الساعة اتنين الصبح عشان أسمع جوزي بيتكلم عن حياة من غيري.
أنا جيت عشان أعتذر له وأرجعه البيت.
والأغرب إن قبلها بست ساعات بس، مكنتش أعرف أصلًا إن جوازنا وصل للمرحلة دي.
أنا وأحمد متجوزين بقالنا تمن سنين.
خناقاتنا كانت قليلة جدًا، لكن أحمد طول عمره بيكره الصوت العالي، وكان دايمًا يقول لي إحنا مش هنحل أي حاجة وإحنا متعصبين لدرجة ممكن نجرح بعض.
في الأول كنت بكره إنه يمشي وقت الخناق، لكن مع السنين اتعودت. كان بيروح عند أمه، يهدى، ويرجع الصبح أهدى ونقدر نتكلم أو على الأقل، ده اللي كنت فاكرة إنه بيحصل.
الليلة دي، قبل ما يمشي، كنا قاعدين في المطبخ.
موبايلي كان مفتوح قدامي على التقويم، وأنا من غير ما أحس كنت بحرك قاعدة الكوباية اللي جنب مج أحمد.
فجأة قال
بطلي تعملي كده.
بصيت له باستغراب
أعمل إيه؟
تحركي الحاجات.
أنا محركتش حاجة.
حركتي قاعدة الكوباية تلات مرات.
بعدت إيدي عنها، وقلت له إن المركز اتصل تاني النهارده، وإني محتاجة أعرف إحنا رايحين فين.
ضغطت عليه لحد ما انفجرنا، واتكلمت بكلام جرحه وجرحني، وخرج وساب البيت.
ودلوقتي أنا واقفة بره الشباك، سامعة حماتي بتقول له
مينفعش تفضل تعمل فيها كده.
أحمد مرفعش راسه
أنا محتاج كام يوم بس. مريم فاكرة إنك زعلان منها.
رد بصوت خافت
أسهل إنها تفضل فاكرة كده يا أمي.
معدتي اتقبضت، ونادية سألته
أسهل لمين؟
أحمد رفع وشه، وكان بيعيط. عمري ما شوفته خايف بالشكل ده.
قال
أعمل إيه يا أمي؟
نادية رفعت الظرف قدامه
تبدأ إنك تقول لمراتك الحقيقة يا أحمد.
حسيت جسمي كله تجمد.
أحمد وقف وبدأ يمشي في الصالة
وبعدين؟ أقعد قدامها وهي تحاول تقنعني إن الموضوع مش مهم؟
هو مهم. وعشان كده من حقها تعرف.
هي عايزة عيلة وأنا مش عارف
وهي عايزة حياة معاك إنت كمان.
طب لو مقدرتش أديها الاتنين؟
أمال ليه بتتعامل مع الصعوبات دي كأنها نهاية العالم؟ بطل تخطط لمستقبلها كأن حياتها انتهت.
مش عايزها تتحبس معايا.
يبقى بطل تاخد قرارات لأنك خايف.
بعدت خطوة عن الشباك.
المفتاح الاحتياطي كان في إيدي. كان ممكن أدخل وأجبره يحكي لي كل حاجة.
لكن وقفت، لأني عرفت إني لو دخلت وأنا بعيط هنحضن بعض ونواسي بعض من غير ما نواجه أصل المشكلة. وأنا مكنتش عايزة سلام مؤقت، كنت عايزة الحقيقة.
فرجعت البيت.
الساعة 8 الصبح، سمعت باب البيت بيتفتح.
دخل أحمد وبص لي بعيون متعبة.
مريم؟
كنت قاعدة قدام فنجان القهوة ملمستوش.
ممكن نتكلم؟
بصيت له بثبات
هنتكلم. ابدأ باللي مخبيكته عني الفتره دي كلها.
اتجمد مكانه، وسألته بصوت حازم
كنت عند والدتك امبارح وسمعت كل حاجة.
سحب الكرسي وقعد قصادي، وبدأت الجدران اللي بناها خوفه تتهاوي، عشان نكتشف إن أي صعوبة مهما كانت، نقدر نواجهها واحنا مع بعض، من غير هرب ومن غير أسرار.
هنخلف؟
لأ.
قال مفيش حلول؟
لأ.
أمال ليه بقالك تلات أسابيع بتتصرف كأن مستقبلنا انتهى؟
أخيرًا قعد.
لأني سمعت كلام كفاية يخليني أعرف إن الطريق ممكن يبقى صعب.
قلت
الطريق كان صعب بالفعل يا أحمد. الفرق إن إنت كنت عارف السبب وأنا لأ.
نزل
متابعة القراءة