الفندق ج 1 حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

الجزء الثاني
فضلت قاعدة على طرف السرير، ضامة ركبي لصدري وعيني في سقف الأوضة، والظلمة حواليا تقيلة زي الأسمنت. صوت دقات الساعة المعلقة فوق التسريحة كان بيخبط في نفوخي خبط، كإنه شاكوش بيهد في راسي هد. برا الأوضة كان البيت هادي بس هدوء يخوف، هدوء اللي مستني العاصفة تهب في أي ثانية وتطير السقف باللي فيه.
حماتي كانت نامت في الصالة، أو بالأصح هدت من كتر البكا والعياط بعد ما ضغطها عليّ واديتها حبة تحت اللسان وكوباية كركديه بارد. كانت طول الليل تتقلب على الكنبة وتتحسبن، وصوت تنهيدتها واصل لعندي ورا الباب المقفول. الست قلبها كان محروق ومفروسة عشان فاكرة إن ابنها مشي ورا واحدة من الشارع رماها عليه شيطانه، وما كانتش تعرف إن الشياطين الحقيقيين كانوا بيقعدوا جنبها على نفس السفرة، ويغمسوا من نفس طبق الملوخية، ويقولولها تسلم إيدك يا خالتي يا بركة البيت.
الساعة جت اتنين بعد نص الليل، وسمعت تكة المفتاح في كالون باب الشقة من برة.
الباب اتوارب بالراحة خالص، تزييقة خفيفة تكاد ما تتسمعش، وخطوات متسحبة على بلاط الصالة زي الحرامي اللي داخل يسرق. مديت إيدي وشديت الطرحة حطيتها على شعري، وقومت وقفت ورا باب الأوضة من غير ما أعمل أي صوت. بصيت من شق الباب الصغير، شفت أحمد.. هدومه مبهدلة، قميصه نصه برة البنطلون ومكرمش، ورجليه تقيلة مش قادرة تشيله. وقف دقيقة يبص على أمه النايمة على الكنبة، راسه كانت مدلدلة في الأرض من الخزي والعار. كان شكله يصعب على الكافر، بس قسماً بالله ما هز فيا شعرة ولا حسيت بناحية قلبي بأي شفقة. الوجع اللي كان في صدري كان متبنج، عارفة الشعور لما الجرح يبقى غويط أوي لدرجة إنك ما تحسيش بيه في أوله؟ أنا كنت في الحالة دي بالظبط.
أحمد لف ومشي ناحية أوضة النوم بتاعتنا، حط إيده على الأكرة وزق الباب بهدوء، أول ما شافني واقفة قدامه مصلوبة في الضلمة، اتنفض لورا واتكتم صوته في زوره.
قفل الباب وراه بسرعة وسند ضهره عليه، وشه كان مخطوف وعينيه حمر دم، وبصوت واطي يادوب طالع بهمس كله خوف ورعشة قال نهى.. بالله عليكي اسمعيني، متحمّليش الحكاية أكتر ما تستحمل، اللي في دماغك ده والله العظيم ما هو الحقيقة كاملة.. الشيطان شاطر، وأنا غلطت، اعترفت إني غلطت، بس اقسم بالله دنيا مالهاش ذنب، أنا اللي ضغطت عليها...
ضحكت. ضحكة طلعت من قعر حلقي واطية ومكتومة، ضحكة خلت شعر إيده يقف.
قربت منه خطوة واحدة، وبصيت في عينيه مباشرة، وقولتله بفحيح زي التعبان بتدافع عنها يا أحمد؟ جاي لغاية هنا، بعد ما مسحت بكرامتي الأرض، وخنت العيش والملح، وخنت ولادك، وبتقولي هي مالهاش ذنب؟ دنيا المسكينة الغلبانة؟ دنيا اللي أنا كنت بنزل ألف معاها على رجلي في وكالة البلح عشان أنقيلها طقمين عدلين تروح بيهم كليتها ومحدش يكسر نفسه
أحمد وشه اصفر زيادة وبقى يتلفت حواليه برعب، همس وهو بيمد إيده يترجاني وطي صوتك يا نهى.. 
فيها دم؟ رديت عليه وأنا بضغط على أسناني بغيظ دلوقتي افتكرت الدم والأصول؟  ما افتكرتش ليه الأصول والدم؟ ما افتكرتش إنها من لحمك ودمك وإنها بنت عمك بالتبني وعايشة في وسطكم؟ وناكرة للجميل، وعينها كانت فارغة من أول يوم دخلت فيه بيتي؟.
أحمد نزل على ركبه في الأرض، ومسك طرف عبايتي يحب عليها، والدموع نزلت من عينيه زي العيل الصغير ابوس رجلك يا نهى.. استري عليا، استري علينا عشان خاطر يوسف ومريم.. العيال مالهمش ذنب يعيشوا مفضوحين وسط أهلهم. هعملك كل اللي انتي عاوزاه، هكتبلك الشقة باسمك، هطلقها لو عايزة...
وقفت متنحة مكاني، الجملة الأخيرة رنت في وداني زي الطلقة.. حسيت الهوا اتسحب من الأوضة، وقولتله وأنا مش مصدقة وداني تطلق مين يا حيلتها؟ تطلق مين؟! انت متجوزها؟!.
أحمد مسك راسه بإيديه الاتنين وفضل يضرب فيها، وفهمت إنه زل بلسانه في وسط الرعب والهلع اللي كان فيه.
وطيت عليه، مسكته من ياقة قميصه وشديته لفوق بكل غيظي وقوتي انطق يا أحمد! متجوزها؟ دنيا متجوزاك؟!.
هز راسه وهو بيعيط بهستيريا وبيبص للأرض عرفي.. متجوزين عرفي بقالنا ست شهور. الورقة مع المحامي بتاع صاحبها في العباسية.. والله العظيم كنت ناوي أصلح الغلطة، والله العظيم كنت بدور على طريقة عشان نخلص من الموضوع ده من غير ما حد يحس، هي اللي ضغطت عليا، قالتلي لو ما قعدتش معايا ساعة النهاردة هتيجي البيت هنا وتواجهك وتواجه أمي وتقول للكل، أنا كنت رايح هناك عشان أهديها وأقنعها نقطع الورقة دي ونسيب بعض في هدوء!.
رجعت لورا خطوتين كإني اتضربت على دماغي بحديدة. ست شهور! ست شهور وأنا نايمة
 

تم نسخ الرابط