الفندق ج 1 حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز


حبيبي، المهم خليك شاطر وماتجريش في الشارع.
على الساعة واحدة إلا ربع، بعد الأذان ما خلص، نزلنا كلنا. الجو في القاهرة كان مغيم وخانق، والشارع زحمة وناس رايحة وجاية من الجوامع، وريحة البخور طالعة من كل المحلات، بس أنا كنت حاسة إني ماشية في نفق مظلم مالهوش آخر.
وصلنا عمارة الحاج إسماعيل في شارع العريش. بيت عيلة قديم، أربع أدوار، كل دور فيه شقة لواحد من ولاده، وشقة الحاج الكبيرة في الدور الأول فوق الأرضي، بابها دايماً مفتوح للرايح والجاي.
طلعنا السلم، وكانت روائح الأكل واصلة لآخر الشارع.. بط محمر في الفرن، ورقاق، وصواني مكرونة بالبشاميل. أصوات الضحك والونس والأطفال بتجري كانت مالية البيت. أول ما دخلنا، الحجة أمينة مرات الحاج إسماعيل استقبلتنا بالترحاب يا هلا يا فاطمة، يا هلا يا نهى يا بنتي، نورتوا والله، تأخرتوا ليه كده والبط قرب يبرد؟.
حماتي كانت بترد على قد الكلمة ووشها باهت، وسلمت ودخلت قعدت في الصالون الكبير جنب أخوها الحاج إسماعيل، اللي كان قاعد على كرسيه المدهب، لابس جلابيته البيضا الصعيدي وكوفيته على كتفه وبيدخن شيشته بهدوء ووقار.
أهلا بأختي الغالية، مالك يا فاطمة؟ وشك مصفر ليه يا خية، العيال مزعلينك في حاجة؟، الحاج إسماعيل قالها بصوته الجهوري وهو بيطبطب على ركبتها.
الحجة فاطمة بصت في الأرض ومردتش، وقالت بصوت واطي شوية برد في ضهري يا حاج، تسلم وتعيش.
أنا وقفت في الصالة برة مع الحريم، وعيني كانت بتلف في كل ركن.. دنيا ما كانتش موجودة لسه.
دخلت المطبخ أساعد مراتات ولاد عم أحمد، وكانوا بيهزروا ويضحكوا ومفيش حد حاسس بالنار اللي بتغلي تحتي. وفجأة، سمعت صوت رنة الخلخال وتكة الكعب العالي في الصالة برة، وصوتها الناعم المايص وهي بتسلم السلام عليكم يا جماعة.. جمعة مباركة عليكم كلكوا.
رجلي وقفت في المطبخ ومسكت حافة الرخامة بكل عزمي.
طلعت راسي من باب المطبخ وبصيت عليها.. كانت لابسة فستان بيج طويل ومحجبة وطرحتها لفاها بمنتهى الشياكة، حاطة ميك أب خفيف مخلي وشها منور، ولابسة السلسلة الدهب اللي كنت عارفاها كويس.. سلسلة أحمد كان قايلي إنه ضيع تمنها في شغل من شهرين! كانت بتضحك مع الكل، وعينها بتلف في الصالة تدور على أحمد.
بس أول ما عينيها جت في عيني، وشها جاب ألوان.. ابتسامتها اتجمدت على شفايفها، وخطوتها وقفت.
أنا ما اتحركتش، فضلت باصة فيها ببرود ونظرة ثابتة خلتها تبلع ريقها بصعوبة وتبص للأرض وهي بترتعش. شافت في عيني كل اللي حصل إمبارح، شافت الستر اللي سترتهولها إمبارح لما خبيت وشها عن حماتي، بس هي كانت غبية.. كانت فاكرة إني عملت كده عشان خايفة منها أو مكسورة، وما كانتش فاهمة إني عملت كده عشان أذبحها على نار هادية في وسط الكل، مش في لوكاندة وسخة بساعتين.
في اللحظة دي، دخل أحمد من باب الشقة.
أول ما أحمد دخل، الصالة كلها سكتت للحظة. أحمد كان باين عليه التعب والهلاك، عينيه كانت ميتة. دنيا لما شافته، اتنفست بصعوبة وراحت واخدة جنب وواقفة قريبة من طربيزة السفرة، بتحاول تعمل نفسها طبيعية وبتعدل هدومها، بس إيديها كانت بتترعش بطريقة مفضوحة.
الحاج إسماعيل نادى بصوته الكبير تعالى يا أحمد يا ولدي، اقعد هنا جنبي جنب أمك.. يلا يا حريم، حطوا الوكل خلينا نسمي الله، الرجالة جعانة والبركة في لمتنا.
كلهم بدأوا يتحركوا ينقلوا الأطباق والصواني لسفرة الأكل الكبيرة في أوضة المعيشة. الحريم كلهم داخلين خارجين بالأكل، وأنا كنت واقفة بهدوء تام، مستنية اللحظة المناسبة بالثانية.
دنيا حبت تبين إنها صاحبة بيت وبنت أصول، فدخلت المطبخ تاخد صينية البط، وبصتلي وحاولت تبتسم ابتسامة باهتة وقالت بصوت واطي بيلعثم ازيك يا نهى.. الولاد كويسين؟.
بصتلها من فوق لتحت، ومن غير ما أرد عليها، سيبتها وخرجت.
اتجمعوا كلهم حوالين السفرة. الحاج إسماعيل على راس الطربيزة، على يمينه أخته الحجة فاطمة، وجنبها أحمد اللي كان قاعد وراسه في الصحن مش قادر يرفعها، وعلى الشمال ولاد عم أحمد وعيالهم، ودنيا قعدت في آخر الطربيزة قصاد أحمد بالظبط، وأنا وقفت ورا كرسي حماتي مأكلتش، قولت لحماتي هصب المية الأول يا ماما وهقعد.
الحاج إسماعيل رفع إيده وقال بسم الله الرحمن الرحيم، مدوا إيديكم يا جماعة، كلوا من فضل الله.
الكل مد إيده وبدأوا ياكلوا، والصوت الوحيد اللي كان طالع هو خبط المعالق وتكسير العيش وسوالف الرجالة عن الشغل وأحوال البلد. أحمد ما كانش بيمد إيده، كان بيفرك في صوابعه تحت الترابيزة، وعرقه نازل على قفاه مع إن التكييف كان شغال.
فجأة، تليفون دنيا اللي كان محطوط على السفرة جنب طبقها نور واهتز برسالة.
أنا كنت مراقباها من ورا ضهر حماتي. دنيا بصت في الشاشة بسرعة، وشها اتخطف، وقامت مخبية التليفون بإيدها ومسحباه تحت الطربيزة. أحمد في نفس اللحظة طلع تليفونه من جيبه، وعينيهم اتقابلت لنص ثانية بنظرة كلها رعب متبادل.
هنا، حسيت إن الوقت جه.
مديت إيدي في جيبي، وطلعت الظرف الصغير المقفول اللي كنت حاطة فيه ورقة الوصل بتاعة اللوكاندة، ومعه حاجة تانية.. حاجة لقيتها وأنا بنضف هدوم أحمد الصبح، كارت صغير مطبوع عليه اسم وعنوان مكتب محاماة في العباسية، ومكتوب وراه بخط إيد دنيا ميعادنا يوم الأحد عشان نوثق.
مشيت بهدوء، والكل كان ملخوم في الأكل، ووقفت عند راس
الطربيزة جنب الحاج إسماعيل بالظبط.
عمي إسماعيل.. يا بركة العيلة، قولت بصوت هادي ورزين بس كان كفيل يخلي الكل يسكت والمعالق تقف في الهوا.
الحاج إسماعيل رفع عينه من على الصحن ومسح بوقه بالمنديل نعم يا بنيتي، في حاجة ناقصة على السفرة؟.
لأ يا عمي، السفرة عامرة بحسك وبخيرك دايماً.. بس في أمانة كانت مع أحمد، وأنا قولت لازم توصل لإيدك إنت بالذات، عشان إنت كبيرنا وكلمتك هي اللي بتمشي على الكل.
أحمد فجأة برق، ووقف نص قومة وشه أبيض كإنه ميت نهى! لأ.. ابوس إيدك!.
حماتي اتفزعت وبصت لابنها في إيه يا واد؟ مالك بتهوهو كده ليه؟.
دنيا الكباية اللي في إيدها وقعت على المفرش، والمية غرقت السفرة، والكل التفت ليها باستغراب. الحاج إسماعيل كشر بين حواجبه وبص لأحمد وبعدين بصلي، وصوته تقل
اقعد مكانك يا أحمد! حسك ما يعلاش وأنا قاعد! هاتي يا بتي.. أمانة إيه دي اللي بتقولي عليها؟.
مديت إيدي بالظرف، وحطيته قدام الحاج إسماعيل جنب طبقه، وبصيت في عينين دنيا اللي كانت بتبصلي بدموع ورعب الموت، ونزلت نظرتي لأحمد وقولت للكل بصوت واضح زي رنة الدهب
الظرف ده فيه عنوان شرف العيلة اللي ضاع إمبارح الظهر بساعتين.. شرف ابن بطن أختك، وشرف البنت اللي مربيها في حضنك ومسميها أمانة الغالي.
الصالون كله اتسحب منه النفس، كإن عزرائيل دخل وقف في وسطنا، ومفيش غير صوت تكتاكة ولاعة الحاج إسماعيل اللي وقعت من إيده على الأرض.

 

تم نسخ الرابط