ثمن الطيبة وسواد النفوس حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

وخل ورقية شرعية كنت حافظاها. طلعت عند الباب، وبصيت على الحلق الخشبي زي ما شفته بيعمل.
مديت صوابعي المرتعشة ورا البرواز، وفعلًا لقيتها! ورقة صغيرة ممسوكة بخيوط معقدة ومكتوب عليها بلون باهت كأنه زفت، كلام مش مفهوم ورسومات وحروف متقطعة، وعليها نقط زي الدم الناشف. مسكتها بقرف وحرقة، وغسلت العتبة بالمياه والملح ومسحت المكان كويس جدًا وأنا بقرأ آية الكرسي والمعوذتين بصوت مبحوح. أخدت الحاجة دي وخبّيتها في مكان محدش يوصل له عندي لحد ما أشوف هتصرف إزاي، كان لازم أكون هادية ومحسوبة الخطوة، لأن الغلطة هنا بحياة بيتي وجوزي.
على الساعة تمانية الصبح، جوزي صحي. أول ما قام، قعد على طرف السرير وهو حاطط إيده على راسه كالعادة بقاله شهر دماغي هتنفجر يا ولاء.. حاسس بحمل تقيل على صدري، مش قادر أتنفس، ومش عارف الشغل اللي واقف ده هيتحل إزاي. قربت منه، طبطبت على كتفه وحاولت أبان قوية مع إن روحي كانت مهدودة سلامتك يا حبيبي، إن شاء الله غمة وهتزول، ربنا ما بينساش حد. بص لي بحزن وقال أنا قصرت معاكي في إيه؟ إحنا عملنا إيه في دنيتنا عشان الدنيا تتقفل في وشنا بالشكل ده؟ كل باب أروحه يترد في وشي، والمقاولين بيطالبوني بالفلوس، وأختي... أختي اللي لحمي من لحمها مش راضية حتى ترد على تليفوني عشان ترجع جزء من الأمانة اللي خدتها!
كلامه كان بيحرق قلبي، كان بيقطع في لحمي، وكنت ماسكة لساني بالعافية إني ما أقولوش أختك مش بس واكلة فلوسك، أختك جايبة دجالين على باب شقتك بالليل عشان يدمروك ويدمروني معاك!، بس سكت، صبري كان هو سلاحي الوحيد.
جوزي نزل يسعى على رزقه، وأنا نزلت على طول لحماتي في الدور الأرضي. أول ما دخلت عليها، لقيتها قاعدة في الصالة، المسبحة في إيدها وسرحانة، وشها مهدود وعينيها دبلانة. أول ما شافتني ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت تعالي يا بنتي، تعالي يا ولاء... قلبي واكلني عليكي وعلى جوزك. قعدت عند رجليها وبوست إيدها مالك يا ماما؟ فيكي إيه مخبياه عليا؟ إنتِ مش مريحاني بقالك فترة. حماتي اتنهدت تنهيدة طالعة من قاع قلبها، وقالت بصوت واطي ومبحوح منى بنتي يا ولاء... منى مش مضبوطة. قلبي اتنفض، وحاولت أستدرجها من غير ما أبان إني شوفت حاجة مالها منى يا ماما؟ مش هي برضه مبسوطة في بيتها وجوزها أزمته عدت؟ حماتي دمعت ومسكت إيدي جامد أزمتها عدت بفلوسك وفلوس ابنها اللي شقيتوا فيها، بس النفوس... النفوس مريضة يا بنتي. من أسبوعين، لقيت في شنطتها حاجات غريبة... ورق ملخبط وصور ليكي ولابني، لما واجهتها وزعقت فيها، اتقلبت عليا وقالت لي إنتِ بتفضليها عليا! من يوم ما دخلت بيتنا وإنتِ شايلها فوق راسك، حتى لما أخويا ربنا فتح عليه بيشتري لها كل اللي نفسها فيه وأنا جوزي مطلع عيني!... طردتها من هنا يا ولاء، حلفت عليها ما تدخل البيت ده إلا لما ترجع لرشدها وتستغفر ربنا.
كلام حماتي كان القطعة الناقصة في البازل اللي في دماغي. يعني حماتي كانت حاسة وشايفة، وعشان كده كانت بتطردها وتتخانق معاها. قولت لها بحنية يا ماما متشيليش هم، ربنا هيهديها. ردت عليا بحرقة أنا خايفة عليكم منها يا بنتي، الغيرة عمتها، والفلوس اللي خدتها طمعتها زيادة، وخايفة تعمل فيكم حاجة تندم عليها عمرها كله.
طلعت شقتي وأنا الدموع في عيني. الغيرة توصل الأخت إنها تدمر أخوها الوحيد؟ اللي كان بيشيلها ويحطها؟
اللي مكنش بيرفض لها طلب؟ دخلت الأوضة، وطلعت الورقة اللي لقيتها الصبح. مكنتش عارفة أتصرف فيها إزاي، كان لازم حد ثقة وفاهم في الدين يفيدني عشان أفك الأذى ده من غير ما يضرنا. اتصلت بأخويا الكبير، وحكيت له على كل حاجة بالتفصيل، من أول الفلوس لحد العين السحرية واللي شفته الفجر. أخويا اتصدم وقعد يسب ويلعن في الغل والحقد، وقال لي اسمعي يا ولاء، الحاجات دي مفيهاش هزار، ولازم تتفك على إيد راجل دين بيتقي الله، مش دجالين وسحرة زيهم، هاتي الحاجة دي وتعالي لي، أو خليكي في بيتك وأنا هاجي لك ومعايا الشيخ عبد الرحمن، إمام المسجد الكبير عندنا، راجل فاضل وبيفهم في الرقية وأمور السحر بما يرضي الله.
وفعلًا، بعد العصر كان أخويا عندي ومعاه الشيخ عبد الرحمن. جوزي كان لسه بره بيحاول يدور على حل للديون. الشيخ عبد الرحمن قعد وشاف الورقة، وقعد يستغفر بصوت عالي ويهز راسه بأسى حسبنا الله ونعم الوكيل، ده معمول للتفريق والوقف، وقف الحال في الرزق، والخراب بين الراجل ومراته، ونفور ومرض. سألته وأنا برتعش وهيتفك إزاي يا مولانا؟ الشيخ قال لي بالقرآن بس، مفيش حاجة تكسر الباطل إلا الحق. هاتي جردل مياه نضيف، وشوية ملح خشن، ونقرأ عليه سورة البقرة، وآيات فك السحر، وبعدين ننقع الورقة دي فيها لحد ما الحبر يذوب تمامًا ويتحلل، وبعد كده نرمي المياه في أرض زراعية أو مكان طاهر.
بدأ الشيخ يقرأ بصوت خاشع ومزلزل، وكل ما صوته يعلى بالقرآن، أحس كأن في تقل كان على صدري وبيتشال، كأن البيت كان مكتوم وفجأة دخل فيه هوا نضيف. الورقة دابت في المياه، والعقد اتفكت واحدة ورا التانية وهو بيقرأ المعوذات، لحد ما السحر بطل وانتهى أثره تمامًا. الشيخ وصاني قبل ما يمشي شغلي سورة البقرة في البيت يوميًا، ورشي أركان الشقة بمياه مقروء عليها، وخلي جوزك يحافظ على أذكار الصباح والمساء، والحافظ هو الله، بس خلي بالك... اللي عمل العمل ده مش هيسكت لما يلاقي حالكم بيتصلح وأثره اتمسح.
كلام الشيخ رن في ودني مش هيسكت! وفعلًا، عدت تلات تيام، وبدأت أحس إن البيت بيرجع له هدوءه تدريجيًا. جوزي رجع في يوم مبتسم لأول مرة من شهور، وقال لي إن في عميل قديم رجع له فجأة واداه دفعة مقدمة لشغل جديد، وإنه قدر يسدد جزء كبير من التزاماته. الفرحة رجعت تدق بابنا، بس أنا كنت عارفة إن في عاصفة تانية جاية في السكة.
في اليوم الرابع، المغرب كان بيأذن، وسمعت خبط قوي وعنيف على باب الشقة. فتحت الباب، ولقيت منى، أخت جوزي، واقفة قدامي! بس مكنتش منى بتاعت زمان، كانت داخلة وشها أحمر من الغيظ، عينيها بتطق شرار، وبتنهج كأنها كانت بتجري. زقت الباب ودخلت الصالة من غير حتى ما تقول سلام عليكم. وقفت في نص الصالة، وبصت لي من فوق لتحت وقالت بنبرة حادة ووقحة هو أخويا فين؟ قولت لها بهدوء وثبات غير عادي، كنت مستغربة نفسي إزاي قادرة أقف قدامها بالقوة دي أخوكي في الشغل، وميرضاش تدخلي بيته بالطريقة دي يا منى. ضحكت باستهزاء وقالت بيته؟ ده بيت أخويا قبل ما يكون بيتك! وإنتِ ملكيش كلمة هنا! وبعدين قولي لي بقى يا ست العارفين... إنتِ عملتي إيه؟ بصيت في عينيها مباشرة وسألتها ببرود عملت إيه في إيه بالظبط؟ وضحي كلامك عشان أفهم. منى اتلجلجت ثانية، بس الغل كان عاميها يعني الشغل اللي
تم نسخ الرابط