سلفتي اتريقت على توك المدرسة اللي جبتها لبنتي حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

يا بطل؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وهزت راسها وقالت
ماشي يا ماما.
قومت حضنتها وشيلتها غسلت وشها، وقولتلها تروح تلعب في أوضتها لحد ما أجهز العشا. لكن من جوايا، النار كانت قايدة. كنت عارفة إن اللي جاي في أيام المدرسة مش هيكون سهل، وإن نيفين مش هتسكت، وبكرة ولا بعده هتبدأ تنفذ خطتها وتدخل مليكة في المقارنات قدام مريم.
مرت يومين، ويوم الجمعة اللي قبل افتتاح المدارس بيومين اتنين بس، نزلنا كلنا عند حماتي تحت في الشقة الكبيرة عشان نتجمع ونتغدا زي عوايدنا كل أسبوع. جوزي محمد كان راجع من شغله باين عليه التعب والإرهاق، داخل ومعاه كيسين فاكهة وعلبة حلويات بسيطة عشان أمه، وعماد كان قاعد هو ومراته نيفين وبنتهم مليكة بيتفرجوا على التلفزيون.
أول ما قعدنا، ولسه بنقول يا هادي، قامت نيفين وراحت ناحية الأوضة، ورجعت وهي شايلة شنطة كبيرة ومقلمة ولانش بوكس وكلهم عليهم رسومات كرتون طالعة تريند جديد وغالية جدا، وحطتهم على الترابيزة في نص الصالة قدام حماتي وقدامنا كلنا.
قالت نيفين بصوت عالي وهي باصة لمحمد جوزي بالذات
إيه رأيك يا ماما في شنطة مليكة؟ دي مستوردة مخصوص، جبتها من المول الكبير اللي في التجمع، وخامتها مبتبوظش خالص ومتبطنة من الضهر عشان ميجيلهاش تقوس، واللانش بوكس ده حراري بيحفظ الأكل سخن طول اليوم، أصلي بصراحة مبحبش استخسر في بنتي مليم، التعليم والمدارس عايزة الواحد يصرف وينضف.
حماتي بصت للشنطة وقالت بهدوء
مبروكين على البت يا نيفين، ربنا يباركلها فيهم، بس برضه يا بنتي ملوش لزوم التباهي والمصاريف الزيادة دي، الحاجة البسيطة بتأدي نفس الغرض والمهم الشطارة في المذاكرة.
نيفين لوحت بإيدها وقالت بغرور
لا يا ماما، البنت وسط زميلاتها لازم تكون مميزة ومحدش يبصلها بنص عين.. فين بقى يا إيمان شنطة مريم؟ ما تفرجينا عليها؟
قلبي دق، ومحمد جوزي بص للأرض بحرج وضيق، لإنه كان لسه مكملش فلوس الشنطة وكان متفق مع زميله في الشغل يشتري منه شنطة كويسة بسعر الجملة وهتوصل بكرة. كنت عارفة إن نيفين بتتعمد تسأل عشان تكسر جوزي وتكسفنا قدام أمه.
بصيت لنيفين بكل ثبات وابتسمت
مريم شنطتها بتاعت السنة اللي فاتت سليمة وزي الفل، مغسولة ومحطوطة في الدولاب، وباباها هيفاجئها بكرة بمقلمة وتوك وحاجات تانية هي نقّتها بنفسها ومبسوطة بيها جدا.
نيفين بصت لمريم بنظرة كلها مكر، وفتحت شنطة مليكة وطلعت منها ألوان فسفورية وأقلام بتنور ودفاتر عليها غلاف بيلمع، ونادت على مريم
تعالي يا مريومة شوفي عمو جاب إيه لمليكة.. شوفتي الدفاتر دي؟ شوفتي القلم اللي بيطلع ألوان ده؟ مش نفسك في واحد زي ده يا حبيبتي للمدرسة؟ قولي لبابا يجيبلك زيه بالظبط، ده باباكي بيحبك وهيجيبلك أغلى منه كمان، ولا هو مش بيجيب؟
محمد وشه احمر من الغيظ وإيده اتقبضت على ركبته، وحماتي اتضايقت وبصت لنيفين بزجر
جرى إيه يا نيفين؟ عيب الكلام ده!
لكن مريم عملت تصرف خلاني حسيت إني كسبت الدنيا وما فيها. مريم وقفت جمب باباها، حطت إيدها الصغيرة على كتفه، وبصت لنيفين وقالتلها بصوت طفولي صافي ومن غير أي تردد
أنا بحب حاجتي يا طنط، والشنطة بتاعتي بابا اللي كان منقّيها معايا السنة اللي فاتت، وأنا بحبها عشان هو اللي اختارها، وماما قالتلي إن القلم اللي بيعرف يكتب صح هو اللي شاطر، مش القلم اللي بينور.
الصالة كلها سكتت. كلمة مريم نزلت على نيفين زي القلم، وشها اتخطف ومعرفتش ترد بايه، وعماد ضحك غصب عنه وقال
الله ينور عليكي يا مريم، عقلك أكبر من سنك
يا بنتي والله!
محمد رفع وشه وبص لبنته وعينيه بتلمع بفخر، وخدها في حضنه وباس راسها جامد، وأنا في اللحظة دي حسيت بانتصار ملوش حدود. التربية والرضا اللي زرعتهم في قلب بنتي صمدوا قدام أول اختبار وقدام سم نيفين.
لكن نيفين من النوع اللي مبيستسلمش للهزيمة بسهولة. الابتسامة الصفرا رجعت على وشها بسرعة، وبصتلي وعينيها بتطق شرار، وقالت بصوت واطي ومسموع للكل
بكرة المدارس تبدأ يا إيمان، ونشوف الكلام الكبير ده هينفع البت لما تقف في الطابور وسط البنات والكل بيتفرج على اللي معاهم.
عدى اليوم ده، ورجعنا شقتنا فوق. محمد دخل قعد على طرف السرير، حاطط راسه بين إيديه، وقال بنبرة مليانة مرارة
سامحيني يا إيمان.. أنا مقصر معاكم، كان نفسي أجيب لمريم أحسن حاجة في الدنيا وأخليها متبصش لحاجة غيرها، بس المصاريف قاطمة وسطي والشغل واقف بقاله شهرين.
قعدت جنبه، مسكت إيده وطبطبت عليها بحنية
تقولش كده يا محمد، إنت راجل وسيد الرجالة وشايلنا فوق راسك، الحرمان مش في الفلوس، الحرمان في النفس اللي متملهاش غير التراب. بنتك متربية وشبعانة رضا، وشوفت بنفسك ردها عامل إزاي النهاردة. متشلش هم يا راجل، وبكرة الشدة تزول وربنا يفرجها من وسع.
ابتسم بتعب وباس إيدي وقال
ربنا يخليكي ليا ولبتك، إنتي سندي والله.
جه أول يوم دراسة، جهزت مريم الصبح بدري، لبست مريولها النضيف المكوي، وسرّحت لها شعرها وعملت لها ضفيرتين حلوين بالتوك البينك اللي جبتهم لها، وشالت شنطتها وهي مبتسمة وفرحانة ونازلة تجري على السلم. نزلنا لقينا نيفين واقفة تحت مستنية باص المدرسة الخاص اللي نقلت بنتها فيه، وماشية تتبختر بلبس بنتها ومستنية اللحظة اللي تشوف فيها مريم متضايقة.
مريم أول ما شافت مليكة، جريت عليها حضنتها وقالتلها بضحكة بريئة
مبروك الشنطة الجديدة يا مليكة، شكلك حلو أوي النهاردة!
مليكة ضحكت وفرحت بكلمة مريم، ونيفين وقفت مذهولة مش عارفة تقول إيه، كل ما تحاول تزرع غيرة يلاقي الرد طالع حب وبراءة بيموت الغل في مهده.
مشت الأيام الأولى في المدرسة عادي، مريم كانت شاطرة ومجتهدة ومبسوطة، وكنت بحرص كل يوم أعمل لها أكل بيتي نضيف وأحطه في علبة بلاستيك عادية ملفوفة بمنديل، وكانت بترجع تحكيلي عن الدروس وعن صاحباتها بكل شغف.
لحد ما جه يوم بعد تلات أسابيع من بداية الدراسة، كان يوم خميس العصر، لقيت جرس الباب بيرن بغباء واستعجال. فتحت الباب، لقيت نيفين واقفة قدامي، ووشها أحمر من الغضب، وعينيها بتطلع نار، وماسكة في إيدها شنطة مليكة الماركة الغالية.
أول ما فتحت، زقت الباب برجليها وقالت بصوت عالي سمّع العمارة كلها
بنتك دي لازم تتربى يا إيمان! بنتك سرقت بنتي وكسرت فرحتها، ومش هسكتلكم المرة دي، ده أنا هفضحكم وأخلي البيت كله يعرف حقيقتكم وحقيقة تربيتكم المسمومة!
اتصدمت من هجومها وطريقتها، ووقفت قصادها وقفلت باب الشقة ورايا عشان مريم متتخضش
إنتي اتجننتي ولا إيه يا نيفين؟ بنتي مين اللي تتربى ومين اللي سرقت؟ اتكلمي بأدب واحترمي نفسك، إنتي في بيتي مش في الشارع!
زعقت نيفين أكتر وهي بتهز الشنطة في وشي
لا مش مجنونة، بنتك مليانة غل وحقد، ولما معرفتش تاخد زي حاجة مليكة، دخلت الفصل وفتحت شنطة بنتي وأخدت المقلمة الغالية وكسرت اللانش بوكس! والمس بتاعة الفصل شافت كل حاجة وبنتي راجعة منهارة من العياط!
وقفت مش مستوعبة، مريم تعمل كده؟ مريم اللي علمتها متمدش إيدها على حبة رمل مش بتاعتها، تسرق وتكسر؟ ولا دي مؤامرة تانية جديدة نيفين جهزتها بعد ما خطتها الأولى فشلت؟
وفي اللحظة دي، الباب اتفتح من ورايا، ومريم
تم نسخ الرابط