حكاوى شيمو
المحتويات
قلبه. لما يجي، محدش يزعق ومحدش يتخانق.. سيبوني أنا أستقبله مع جوز أختك.
الساعة جت تسعة بالليل. الباب اتفتح هبدة قوية. حسام دخل، كان
شكله متبهدل، عينيه حمرة وزي ما يكون مش شايف قدامه، ومسك في إيده ورقة الطلاق اللي جابها من المأذون!
أول ما دخل وشاف الشيخ وأمي وجوز أختي، زأر بصوت مكتوم إيه ده؟! إيه اللمة دي؟! جايبة أهلك عشان يشهدوا على طلاقك؟ أنا خلاص مبقتش طايق البيت ده ولا الست دي! إنتِ طالق يا
قبل ما يكمل الكلمة، الشيخ عبد التواب وقّفه بصوت جهوري وقرأ أواخر سورة البقرة وآية الكرسي، ومسك كباية مية مقرئ عليها ورشها فجأة في وش حسام!
حسام اتنفض اتفاضة مرعبة، وجسمه بدأ يترعش، والورقة وقعت من إيده على الأرض. قعد على أقرب كرسي وهو بيتنفس بصعوبة شديدة وكأنه كان غرقان وبيطلع للسطح ياخد نفسه. عينيه بدأت تروح وتيجي، وبص للمكان باستغراب وقال بصوت ضعيف ومهزوز إيه ده؟ إنتو هنا ليه؟ أنا..
أنا فين؟ وفي إيه في إيدي؟
أمي قربت منه ودموعها نازلة يابني افهم.. بيتك كان بيتخرب وإنت مش حاسس!
الشيخ عبد التواب قعد قدامه وهداه، وبدأ يشرح له اللي حصل، ووراله الورقة اللي لقيتها في الكتب، وحكيتله أنا على المكالمة الأخيرة لسلفتي بالصوت والصورة، وتفاصيل الكيس اللي هي زرعته في بيتنا عشان تلبسه فيا.
حسام حط إيده على رأسه وكان هيتجنن أنا.. أنا كنت حاسس إن في غمامة على عينيا، كل ما أبصلها أو أفتكرها أحس بغل وكراهية ومش طايق أسمع صوتها.. أنا ازاي صدقت إن مراتي تعمل كدة؟!
بصلي حسام بعيون مليانة ندم ودموع، وقام قرب مني ومسك إيدي وهو بيترعش سامحيني.. والله ما كنت في وعيي، أنا كنت حاسس في حاجة بتسوقني غصب عني!
لكن الفرحة مكملتش..
في نفس اللحظة، تليفون حسام رن. كان أخوه الكبير جوز سلفتي. حسام فتح السبيكر والصوت كان واضح للكل.
أخوه كان بيبكي ويصرخ بصوت هيستيري لحقني يا حسام!! الحقني يا أخويا! مراتي اتجننت.. قفلت على نفسها الأوضة مع الولاد ومولعة نار في البيت وبتقول كلام غريب مش مفهوم! الحقني بسرعة!
الصوت اللي طالع من السبيكر خلي الدم يتجمد في عروقنا كلنا. حسام بصلي وهو مش مصدق، والشيخ عبد التواب وقف فجأة وقال بصرامة الأذى رد عليها! لما الفك حصل والشر ارتد لفاعله، الشيطان اللي استعانت بيه انقلب عليها.. لازم نتحرك فورًا قبل ما تعمل في ولاد أخوك!
جوز أختي وحسام والشيخ جريوا على بره، وأمي مسكتني وقالتلي خليكي مع عيالك يا بنتي، ادخلي اقفلي علي نفسك واقري قرآن. بس رجلي ما شالتنيش، كنت مرعوبة على الولاد الصغار، ولاد أخو حسام مالهمش ذنب في الغل والحقد اللي ملأ قلب أمهم.
وصلوا شقة أخو حسام اللي في العمارة المجاورة، وأنا وأمي وراهم بنجري. الشارع كله كان متجمع تحت العمارة بسبب صوت الصريخ والدخان المكتوم اللي طالع من شباك الأوضة الجوانية.
أخو حسام كان واقف عند باب الشقة بيضرب كف بكف ودموعه نازلة، بيحاول يكسر باب الأوضة المقفول بمفتاح من جوه، والصوت من ورا الباب كان يرعب.. صوت سلفتي وهي بتضحك بكهكهة حادة ومش طبيعية، وصوت عيالها بيبكوا وبيصرخوا يا بابا الحقنا! ماما بتولع في الكتب والهدوم ومسكت !
الشيخ عبد التواب قرب من الباب وقال لحسام وجوز أختي وأخوه اسموا الله واكسروا الباب فورًا، مافيش وقت!
بثلاث ضربات قوية من كتافهم، الباب اتكسر وطار لجوه.
المشهد اللي جوة الأوضة كان زي كابوس مظلم. النار كانت مساكة في كومة هدوم وكتب في نص الأوضة، والدخان مالي المكان. سلفتي كانت واقفة في الزاوية، شعرها منكوش، عينيها برّاقة بطريقة تخوف، وماسكة في إيدها سكينة مطبخ صغيرة، وعيالها الاثنين محشورين وراها تحت السرير بيبكوا من الرعب.
أول ما شافتنا دخلنا، ضحكت ضحكة عالية وقالت بصوت متضارب ومختلف عن صوتها الحقيقي فاكرين إنكم فكيتوها؟! فاكرين إنكم خلصتم؟! أنا قلتلها لسه مشوفتيش حاجة! البيت ده مش هيعمر، والعيال دول مش هيكبروا!
الشيخ عبد التواب ما ترددش لحظة. بدأ يقرأ آية الكرسي وسورة الفلق بصوت جهوري يزلزل المكان، وتقدم ناحيتها بخطوات ثابتة وهو يرفع إيده بالدعاء.
أول ما صوت القرآن ملأ الأوضة، سلفتي صرخت صرخة مكتومة وحطت إيديها على ودنها، وقعت من إيدها على الأرض. وجسمها بدأ يتنفض بطريقة هستيرية، ورجليها اتثبتت في الأرض كأنها مش قادرة تتحرك.
في اللحظة دي، حسام وجوز أختي جرا بسرعة وسحبوا العيال من تحت السرير وطلعوهم بره الأوضة للتنفس، وأخو حسام جاب جردل مية وطفا النار اللي كانت بدأت تمسك في السجادة.
الشيخ فضل يقرأ ويبص في عينها بثبات، لحد ما وقعت على ركبها على الأرض، وبدأت تبكي أخو حسام قعد جنبها على الأرض وهو مصدوم ومشهود، مسكها من كتفها وقال بدموع عملتي إيه يا شيماء؟! إيه اللي وصلك لكده؟! إحنا قصرنا معاكي في إيه؟!
رفعت رأسها وبصتلي أنا بالذات، وسط دموعها ونفسها العالي، وقالت بنبرة مليانة حسرة وغل في نفس الوقت عشان كانت أحسن مني في كل حاجة! من يوم ما دخلت العيلة وهي كل الناس بتحبها.. جوزها بيحبها، وعيالها مؤدبين وبيدرسوا وبيفهموا.. وأنا عيالي بيضيعوا مني وأنا مش عارفة أسيطر عليهم! لما شفتها قاعدة مع ولادها بتضحك وبتذاكر بكل راحة، الغل أكل قلبي.. قلت ليه هي عندها كل ده وأنا لأ؟! ليه بيتها هادي وأنا بيتي نكد؟!
الكلمات طلعت منها زي السم، الكل كان واقف ساكت ومصدوم من كمية الكراهية اللي كانت كاتماها جوة قلبها تحت ماسك الابتسامة والطيبة.
أخو حسام بص لها بنظرة خيبة أمل وقرف، وقال بصوت حاسم إنتِ مش بس آذيتي مرات أخويا ودمرتي بيتها.. إنتِ كنتِ هتقتلي عيالك وتولعي فينا! إنتِ مابقاش ليكي مكان في ذمتي ولا في البيت ده.. إنتِ طالق!
وقع الكلام عليها زي الصاعقة، فضلت تبص لحولين منها بذهول، والشيخ عبد التواب طلب من أخوه يسفرها لأهلها فورًا عشان يكملوا علاجها بالقرآن، لأن الشر اللي استدعته ارتد عليها ودمر نفسيتها.
رجعت شقتي أنا وحسام، والبيت كان ساكت تمامًا. العيال طلعوا من أوضتهم وجروا على حضني، وبقيت أحضنهم وأبكي.. مش من الزعل، لكن من الفرجة اللي ربنا فرجها علينا.
حسام قعد على ركبه قدامي، مسك إيدي وجبهتي وقال ودموعه مغرقة وشه أنا آسف يا أم إبراهيم.. آسف إن صدقت الظنون، وآسف إن سيبتك تشيلي كل الوجع ده لوحدك.. سامحيني.
مسحت دموعه وقلتله المهم إن ربنا كشف المستور وحمانا.
عدت أيام، والبيت بدأ يسترد أنفاسه بالتدريج. قراءة سورة البقرة ما قطعتش من البيت، والمية بالملح رشيتها في كل ركن. لكن النهاردة، وبعد أسبوعين من الأحداث دي، حسام جالي وهو شايل جواب جاله على الموبايل رسالة غريبة من رقم مجهول.
فتحت الرسالة، وكان مكتوب فيها فاكرين إن الطلاق والمشي هينهي الموضوع؟ شيماء راحت عند أهلها في الصعيد.. وهناك عيلتها مش هيسيبوا حقها بعد اللي حصلها بسببكم.. انتظروا اللي جاي.
الرسالة كانت زي طعنة جديدة في ظهر الهدوء اللي بدأ يدخل بيتنا. إيدي كانت بتترعش وأنا ماسكة
متابعة القراءة