تخريب وتلفيق حكـايات مني السيد حصري
المحتويات
وشغل التسجيل مرتين وتلاتة، وهو بيعدل نضارته الطبية ووشه بيتقلب تدريجيًا من التعاطف للقلق الشديد.
بصي يا بنتي... أستاذ مجدي اتكلم بنبرة رزينة خلت ركبي تسيب أكتر أحمد ده مش شغال لوحده. الترتيبة دي مش ترتيب عيل طايش ضرب مراته في ساعة غضب. ده تخطيط شيطاني وواضح إن في حد محاميه مخلصه ملقنه كل خطوة. هو عمل إيه؟ استغل إنك مشيتي وما عملتيش إثبات حالة في نفس الليلة، وراح الصبح بدري جاب النجدة، وعمل محضر إثبات حالة ومعاينة إن الشقة متبهدلة، وإنك نزلتي بالليل بعد خناقة وانتقمتي منه بإنك كسرتي المطبخ وسرقتي دهبك ومبلغ مالي هو مدعي إنه كان سايبه في البيت!.
مبلغ إيه ودهب إيه؟! قاطعته وأنا بنهج من الصدمة دهبي هو اللي باعه من سنتين عشان يسدد ديون تجارته! والبيت ما كانش فيه حتى تمن علبة لبن صناعي لولاده! أنا حتى ما أخدتش بطاقتي ولا شبشبي من على باب الشقة!.
أنا مصدقك يا نرمين، والقاضي لو سمعك هيصدقك، بس القانون ما بيعترفش بالدموع، القانون بيعترف بالورق والمحاضر والشهود.. أستاذ مجدي قام وقف ومسك جاكتته إحنا مش هنضيع وقت في الكلام. إحنا هنطلع حالًا على قسم الشرطة نعمل محضر طرد واحتجاز أطفال رضع بدون وجه حق، ونسلمهم فواتير الجهاز وقائمة المنقولات، ونطالب بتمكين من مسكن الزوجية بحضانة الصغار... بس قبل ما نروح، المفاجأة اللي قال عليها في التسجيل قالقة راحتي. لازم نعرف هو كتب إيه في المحضر بتاعه بالظبط.
نزلنا مع أستاذ مجدي، والطريق لقسم الشرطة كان كأنه طريق للمشنقة. أول ما دخلنا ديوان القسم، ريحة السجاير وصوت الكلبشات والعساكر اللي رايحة وجاية زادوا من رعبي. قعدت على بنك خشب جنب أبويا اللي كان ماسك سبحته وشفايفه بتتحرك بالدعاء من غير صوت.
أستاذ مجدي دخل مكتب النوبتجية وغاب جوه ييجي نص ساعة. النص ساعة دي عدت عليا كأنها تلاتين سنة من العذاب. فجأة طلع، وشه كان مخطوف تمامًا، ولونه أبيض كأنه شاف ميت.
قرب مننا بخطوات بطيئة، أبويا وقف بلهفة وسأله خير يا متر؟ طمنا بالله عليك؟.
أستاذ مجدي بص في الأرض، وبعدين بصلي بتردد وألم شديد وقال بصوت واطي ومبحوح المحضر بتاعه مش بس سرقة وتكسير يا عم حسين... أحمد مشتكي نرمين بإنها خرجت من البيت مع راجل غريب في نص الليل، وإنها مهملة في رعاية أطفالها، والأنيل من ده كله... إنه مقدّم تنازل رسمي ممضي وبصمتها عليه، بتتنازل فيه عن حضانة التوأم يوسف ويونس لأخته نادية!.
إيييييه؟! الصرخة طلعت مني زلزلت القسم كله، لدرجة إن أمين الشرطة اللي واقف على الباب زعق يا ست وطي صوتك إحنا في ميري!.
أنا كنت حاسة إن دماغي هتنفجر. تنازل؟ وبصمتي؟! إزاي؟! مسكت في صدر أستاذ مجدي وصرخت بانهيار تنازل إيه يا متر؟! أنا عمري ما مضيت على ورقة بيضا! عمري ما أفرط في حتة من كبدي! ده أنا بولد قيصري كنت بموت عشانهم! والله العظيم مزور... والله العظيم كداب!.
أستاذ مجدي مسك إيدي بهدوء وحاول يهديني اهدي عشان نعرف نفكر! هو مقدم ورقة تنازل عرفية، ومكتوب فيها إنك مش قادرة على تربيتهم عشان عندك اضطرابات نفسية، وإنك موافقة بكامل إرادتك إن أخته نادية هي اللي تتولى حضانتهم مقابل إنه ما يحبسكش بالسرقة والتكسير! وطبعًا النيابة لما هتجيلها الأوراق دي، الموضوع هيتعقد جدًا، خصوصًا إنه جاب شهود من العمارة!.
شهود مين؟! أبويا اتكلم بغضب وقهر الجيران عارفين تربية بنتي! ده
العمارة كلها عارفة إن أخته هي اللي كانت قالباها جحيم!.
شهوده هما أصحابه وحارس العمارة اللي شغال عندهم بالأجرة.. أستاذ مجدي رد بتشاؤم الحارس شهد إنه شافها نازلة لوحدها متخفية بإسدال في نص الليل، وإنها كانت متوترة وسابت البيت بمزاجها بعد ما دشدشت المطبخ.
في اللحظة دي، حسيت بنار قايدة في جسمي كله. مش بس ظلموني، دول كمان خططوا يلبسوني تهمة تمس شرفي وتمس أمومتي، وياخدوا ولادي يربوهم على إيد العقربة اللي دمرت حياتي!
مسحت دموعي بإيدي اللي كانت بترتعش، ونزلت على عيني غشاوة من نوع تاني... مش غشاوة ضعف وبكاء، دي غشاوة غل ورغبة في المقاومة لحد آخر نفس. بصيت لأستاذ مجدي وسألته هو الورق ده راح النيابة خلاص؟. رد عليا لسه، المحضر اتسجل وهيطلع على النيابة بكرة الصبح عشان التحقيق، وهو حاليًا فوق في المباحث بيعمل محضر ضم للأطفال بقوة القانون بناء على التنازل اللي معاه.
هو فوق؟! سألته وعيني وسعت. أه، أحمد فوق مع المحامي بتاعه بيستكملوا الإجراءات.
أبويا مسك دراعي بخوف رايحة فين يا نرمين؟ اوعي تتهوري يا بنتي يضيع حقنا!. شديت إيدي من إيد أبويا براحة بس بحسم ما تقلقش يا بابا، نرمين اللي كانت بتخاف من صوت أحمد العالي طردوها بالبيجامة في الشارع خلاص... اللي قدامك دي أم، ومش هتسيب ولادها لو على رقبتها.
طلعت السلم المؤدي لمكاتب المباحث بخطوات سريعة وثابتة، أستاذ مجدي كان بيحاول يحصلني وهو بينده عليا عشان أستنى الإجراءات الرسمية، بس أنا ما كنتش سامعة غير صوت عياط يوسف ويونس في وداني.
وصلت للدور التاني، طرقة طويلة مليانة مكاتب، وعلى يمين مكتب مفتوح بابه نص فتحة، لمحت أحمد قاعد جوه ببدلته الكحلي، حاطط رجل على رجل بكل ثقة، وبيضحك مع المحامي بتاعه، وجنبهم أخته نادية قاعدة وشايلة شنطة كتف كبيرة، ولابسة عبايتها وبتردح بصوت واطي وهي بتشرب عصير.
نادية كانت هناك! الحرباية اللي اتسببت في كل ده، قاعدة بكل بجاحة في قسم الشرطة مستنية تستلم ولادي رسميًا!
دفعت الباب برجلي ودخلت زي الإعصار.
الضحكة وقفت على وش أحمد، ونادية اتخضت وقامت وقفت والعلبة وقعت من إيدها. الظابط اللي كان قاعد ورا المكتب رفع راسه بغضب وخبط على الطاولة إيه قلة الأدب دي؟! مين سمحلك تدخلي كده؟!.
أنا نرمين يا باشا! صرخت بصوت خلى كل اللي في المكتب يتسمر مكانه أنا الأم اللي اترميت في الشارع الساعة تلاتة الفجر عشان الست دي تطبخ في مطبخي! أنا اللي اتاخد منها عيالها الرضع بالقوة والافتراء!.
أحمد وقف وحاول يمثل الثبات والوقار، وقرب من الظابط وقال بمسكنة شوفت يا فندم؟ دي المجنونة اللي حكيت لسيادتك عنها! داخلة القسم تهجم عليا إزاي؟ دي الست اللي كسرت شقتي وسابت عيالها وطفشت في نص الليل، وجاية دلوقتي تكمل شغل البلطجة!.
نادية كملت وراه بدموع تماسيح مفضوحة أيوة يا باشا، دي ست ما تتقمنش على ضنى! ولاد أخويا كان هيموتوا من البرد لولا إني دخلت الشقة الصبح لقيتهم مرميين في السراير بيصرخوا والشقة متدمرة! دي مش أم، دي مجرمة! ومعانا تنازلها المكتوب بخط إيدها وبصمتها!.
بصيت لنادية، وقربت منها خطوة واحدة، كانت عينيا فيها نظرة خلتها ترجع لورا بخوف حقيقي. بصتلها وقولت بهدوء مرعب التنازل ده... بصمتي عليه إمتى يا نادية؟. نادية ارتبكت وبلعت ريقها أ... إنتِ اللي كتبتي وبصمتي لما كنتي بتتنازلي عشان أحمد ما يحبسكش بالسرقة!. السرقة؟ ضحكت ضحكة مكسورة عالية هزت أركان المكتب أنا أسرق جهازي اللي أبويا شقيان فيه؟ طب التنازل
متابعة القراءة