كنت عند اختي

لمحة نيوز

اللي صنعتهم بإيدها.
في يوم، كنت قاعدة في البلكونة بشرب شاي مع أبويا في ساعة عصر. بصلي وطبطب على إيدي وقال لي
الضربة اللي مابتموتش بتقوي يا هدى.. ربنا كشفهم ليكي عشان تفتحي عينك وتبدأي نضيفة، العيب مش فيكي، العيب في النفوس المريضة اللي كنتِ مأمناهم.
ابتسمت له بوجع هادي، وعرفت إن الحياة مش بتقف عند بني آدم. أوقات ربنا بيبعت لنا الصدمة الصعبة دي مش عشان يدمرنا، لكن عشان ينقذنا من غفلة كانت هتدمر باقي عمرنا. قفلت الصفحة دي من حياتي للأبد، وفتحت صفحة جديدة بقلب أنضف، وكرامة مفيش مخلوق يقدر يمسها تاني.
مرت سنة كاملة على اليوم ده.. سنة بذلت فيها كل جهدي عشان أرمي الرماد ده ورا ضهري وأبدأ من جديد. نزلت اشتغلت في حضانة أطفال، ورجعت لحياتي ونفسي اللي كنت نسياهم في زحمة التضحية والخدمة للناس ما تستاهلش.
وفي يوم جمعة عادي، كنت نازلة أشتري طلبات للبيت مع أبويا، شفتها.. مريم كانت واقفة عند دكان الخضار في آخر الشارع. وشها كان باهت، كبرت عشر سنين في سنة واحدة، ودبلت زي ورقة شجر ناشفة وقعت في الخريف. عينها جت في عيني لثواني، وحسيت فيها بكسرة وخزي مش طبيعي.. وشها نزل في الأرض وأخدت ابنها واستخبت في أول زنقة.
ما حسيتش بشماتة، ولا حتى بغل.. حسيت بنعمة الستر والراحة اللي ربنا نزلهم على قلبي. وعرفت إن أسرع عدل في الدنيا هو العدل الإلهي؛ لما بني آدم يختار الشر والابتزاز طريق، ربنا بياخد منه كل حاجة الهيبة، السند، واللمة.
رامي بعد الطلاق ساب المنطقة وسافر الخليج عشان يهرب من الفضيحة ووشوش الناس، ومريم بقت عايشة في الشقة اللي شهدت قسوتها، بس المرة دي لوحدها تمامًا.. الباب مقفول عليها هي وسكوتها وخوفها من المجهول.
ورجعت أنا بيتنا، وقفت قدام مرايتي، وبصيت لنفسي بابتسامة حقيقية مش مصطنعة. مسحت آخر دمعة زعل وقفت في عيني وقلت لنفسي
الحمد لله.. الحقيقة كانت مرّة وسودا، بس الحرية وراحة البال اللي بعدها، تسوى الدنيا وما فيها.
وبعد سنتين، كان كل شيء في حياتي اتغير تمامًا.. بقيت مديرة للحضانة اللي بدأت فيها مدرسة صغيرة، ورجعتلي ضحكتي اللي كانت غايبة من سنين، وروح هدى الطيبة اللي ما بتخافش ولا بتتكسر.
في يوم، جالي خبر إن مريم سابت الشقة وباعت عفشها بالرخيص، وأخدت ابنها ونزلت تعيش في بلدة بعيدة مع قرايب من ناحية جوزها الله يرحمه، بعد ما العزلة أكلت جدران بيتها ومابقتش قادرة تبص في وش حد في المنطقة. ورامي اختفت أخباره تمامًا، حتى أهله مابقتش حد يسمع عنهم حاجة.
وفي ليلة دافية، كنت قاعدة مع أبويا في البلكونة، الهواء كان رد الروح، وأبويا بيسحب نفس من كوباية الشاي وبيبتسم لي وقال
عارفة يا هدى.. أصعب حاجة في الدنيا إن البني آدم ينخدع في القريب، بس أعظم حاجة إن ربنا يحبه ويجيبله حقه وهو قاعد مكانه، من غير ما يلوث إيده بشر.
بصيت للسما المليانة نجوم، وأخدت نفس طويل وحسيت بأمان عمره ما دخل قلبي قبل كده. أدركت إن اللي حصل ما كانش مجرد صدمة أو كابوس، كان درس قاسي بس نجاتي الوحيدة.. درس علمني إن كرامة الواحدة وسكينتها أهم من أي صلة دم خاينة، وأهم من أي راجل هش.
قفلت دفتر الماضي بالضبة والمفتاح، وتبسمت لأبويا وقلتله
الحمد لله يا بابا.. ربنا ما بياخدش حاجة إلا ويجيب بدالها أحسن وأجمل بكتير.
تمت.

تم نسخ الرابط