جدعنة سلفة حكـايات مني السيد حصري
المحتويات
حلمك اتأجل، وعشان متشيليش هم وتفضلي فاكرة إن دهبك هو اللي عمل العملية!
قعدت متنحة، الكلمات كانت بتلف في دماغي زي الإعصار.
يعني الدهب اللي أنا قلعته واديتهوله بابتسامة وفرحة ودموع، راح عشان يسدد فوايد ديون عماد؟ والعملية اتعملت بقروض وسلفيات تانية؟ ومحمود شايل فوق كتافه ديون توديه ورا الشمس، وساكت ومبيقولش كلمة؟!
قلت بصوت ضعيف كأني بكلم نفسي
طب وليه خبيتوا عليا؟ ليه محسستنيش؟ ليه سبتوني أعيش في الوهم ده كله؟
ريهام رفعت وشها وبصتلي بحب حقيقي ممزوج بدموع الندم
عشان خاطرك والله العظيم! محمود حلف عليا على المصحف مقولش نص كلمة. قالي سارة لو عرفت إن دهبها ضاع في ديون أخويا مش هتسامحني، ولو عرفت إني مديون للرقبة هتنهار والعملية هتفشل والدكتور قال حالتها النفسية هي أساس نجاح الحقن. ولما ربنا كرمك وحملتي في توأم، الدكتور قال أي زعلة أو عصبية ممكن تنزل العيال في ثانية.. محمود كان بېموت كل يوم في صمت، بيشتغل شيفتين وتلاتة، يخرج من وظيفته الصبح يشتغل في مخزن بليل، ويرجع يبتسم في وشك ويقولك الحمد لله يا حبيبتي كل حاجة تمام.
كملت ريهام وهي بتشهق
وأنا يا سارة.. أنا كنت بمۏت من إحساسي بالذنب! أنتي ضحيتي بدهبك اللي كنتي شايلاه لنفسك، وډخلتي في الدوامة دي بسبب جوزي ومصايبه! أنا مكنتش بقدر أحط عيني في عينك.. لما كنت باجي أنضف شقتك وأطبخلك وأغسل رجلك، مكنتش بعمل كده مجاملة، والله العظيم كنت بعمل كده تكفير عن ذنبنا في حقك! كنت حاسة إني خادمة تحت رجلك ومش هوفيكي حقك.. كنت بقول لنفسي البت دي ملاك دخل بيتنا وإحنا غرقناها في همومنا، لو قعدت خدامة تحت رجليها عمري كله مش هردلها ربع
اللي محمود ولينا اتسببنا فيه!
غمضت عيني، وحسيت بصداع نصفي رهيب بيهجم على نفوخي. المشاعر جوايا كانت مشقلبة؛ مش عارفة أغضب ولا أتعاطف، مش عارفة أصرخ في وشها وأطردها برة شقتي، ولا أطبطب عليها وأبكي على حالنا كلنا.
محمود غلط.. غلط إنه كدب عليا، غلط إنه ورط نفسه في ربا وديون عشان يشيل طين أخوه من غير ما يصارحني، بس في نفس الوقت.. الراجل استلف من البنك وشال طين فوق طينه عشان ميحرمنيش من حلم الأمومة وميكسرش فرحتي!
مسكت راسي بين إيديا وقلت بجمود
وعماد فين من ده كله؟ عماد اللي خربها وقعد على تلها، فين دوره؟ سايب أخوه الصغير يتبهدل ويتهدد بالحبس وهو قاعد يتفرج؟!
ريهام ردت بكسرة نفس
عماد هربان يا سارة.. عماد من يوم ما الراجل جه هددنا من أسبوعين، وهو سايب البيت وقاعد في بلد تانية بيحاول يستلف من قرايب أمه عشان يجمع المبلغ ويسدد لمحمود، بس مفيش حد راضي يديله مليم، والناس كلها قفلت بيبانها في وشه. ومحمود هو اللي في الوش هنا، المحل باسمه وباسم عماد، والكمبيالات محمود اللي ماضي عليها كضامن ومعاه كمبيالات باسمه هو شخصياً!
سكتت لحظات، وبعدين بصيت في الساعة اللي على الحيطة.. كانت الساعة اتنين بعد الظهر.
الراجل بتاع الصبح قال قدامكم للمغرب يا الفلوس يا البوليس والڤضيحة!
قلبي اتقبض بړعب حقيقي. المغرب فاضل عليه أقل من أربع ساعات! لو الراجل ده جه ومعاه الشرطة، محمود هيتمسك، وهيتفضح في العمارة والشارع، وهيترمي في الحبس، والولاد اللي في بطني دول هيجوا الدنيا يلاقوا أبوهم مسجون وعيلتنا مفضوحة!
مسحت دموعي پعنف من على وشي، وبصيت لريهام بحدة
المبلغ كام بالظبط يا ريهام؟ الراجل ده عايز كام عشان يمشي ويسيبنا في حالنا وميقربش من محمود؟
ريهام بصتلي باستغراب وخوف عايز ميتين وخمسين ألف جنيه كاش.. ده أصل المبلغ مع فوايده اللي اتأخرت. بس إنتِ بتسألي ليه؟ هتعملي إيه يا سارة؟ أرجوكي بلاش تهوري نفسك!
قمت وقفت، وتجاهلت الدوخة اللي جت في راسي، ودخلت أوضة نومي، وفتحت الدولاب بإيدين بتترعش. طلعت شنطة صغيرة كانت محطوطة في قعر الدولاب ورا الهدوم. شنطة قديمة فيها أوراق ودفاتر.
طلعت منها دفتر توفير البريد.. دفتر توفير كان والدي الله يرحمه فاتحهولي من وأنا في الإعدادي، وكان بيحطلي فيه كل قرش يفيض منه، وقبل ما ېموت وصاني وقالي ده قرشك الأبيض ليومك الأسود يا بنتي، اوعي تمدي إيدك عليه إلا لو الدنيا ضاقت بيكي وخلاص هتقفلي في وشك.
فتحت الدفتر.. كان فيه مية وسبعين ألف جنيه. المبلغ ده مكنتش مقربة منه، ولا حتى محمود كان يعرف بوجوده، كنت شايلاه لزمن غدار، أو ليوم ما عيالي يحتاجوا مصاريف دراسة أو مرض مفاجئ.
وقفت في نص الأوضة والدفتر في إيدي، والدموع بتغلي في عيني.
أنا هعمل إيه؟ هدفع كل شقا أبويا اللي سابهولي عشان أسدد مصېبة مش بتاعتي؟ عشان أصلح غباء جوزي وأخوه النصاب؟
طب ولو مدفعتش؟ محمود هيتحبس! الراجل اللي شالني في عيونه سنتين، اللي كان بيقعد تحت رجلي لما بطني توجعني يسخنلي كمادات، اللي استلف من طوب الأرض عشان يفرح قلبي بالحقن المجهري، هيتسجن والعيال دول هيتيتموا وأبوهم عايش!
ريهام دخلت ورايا وشافت الدفتر في إيدي، شهقت وحطت إيدها على بؤها
سارة.. إيه ده؟ إنتِ معاكي فلوس؟
بصيتلها بنظرة عمري ما هنساها، نظرة واحدة مکسورة بس واعية
ده ورثي من أبويا يا ريهام.. ده القرش اللي أبويا شقي بيه في الشمس عشان ميجيش يوم وأتمد إيدي لحد.. فيه مية وسبعين ألف
جنيه.
ريهام اتراجعت لورا بخجل ودموعها نزلت
لأ يا سارة.. لا والله العظيم ما تاخدي مليم من فلوس أبوكي! محمود ېموت ولا ياخد منك قرش من ورثك بعد اللي عمله! إحنا منستاهلش، سيبي الراجل يعمل اللي يعمله، إحنا نتحمل نتيجة غبائنا!
قلت بجمود ومحمود يتحبس؟ والعيال اللي في بطني يجوا على الدنيا يلاقوا أبوهم متكلبش في القسم؟ وعيلتنا تبقى سيرتها على كل لسان؟
سكتت ريهام وعجزت عن الرد.
كملت وأنا بقفل الدفتر بس المية وسبعين ألف مش هيكفوا.. الراجل عايز ميتين وخمسين. باقي تمانين ألف.. التمانين ألف دول هنجيبهم منين قبل المغرب؟!
ريهام بصت في الفراغ ثواني، وفجأة عينيها لمعت كأنها افتكرت حاجة، وضړبت على صدرها وقالت
عقد القيراطين اللي في البلد! أرض ورثتها عن أمي في الفيوم.. مأجراها لناس قرايبنا هناك.. العقد معايا هنا في الشقة! هما كانوا عارضين يشتروها من شهرين بمية ألف وأنا اللي كنت رافضة عشان ذكرى أمي!
بصيتلها پصدمة هتبيعي أرض أمك يا ريهام؟
ردت بعزم وبكاء هستيري أبيع هدومي اللي عليا يا سارة ولا أشوفك پتبكي وتدفعي من شقا أبوكي لوحدك! عماد خربها وأنا اللي هشيل شيلته، والراجل بتاع الربا ده هياخد أرضي مقابل باقي المبلغ، أو أكلم قرايبي في التليفون يحولولي العربون حالا فودافون كاش أو على البنك!
مسكت تليفونها وبدأت تتصل بإيدين بتترعش بأهلها في البلد، وتتوسل ليهم يلموا أي فلوس ويبعتوها في خلال ساعتين مقابل التنازل عن الأرض.
وأنا لبست إسدالي وخرجت من باب الشقة، رجلي مكنتش شيلاني، مشيت في الشارع لحد مكتب البريد اللي في أول المنطقة. كانت الساعة داخلة على تلاتة، والمكتب بيقفل تلاتة ونص. دخلت وسحبت المبلغ كله.. رزم الفلوس كانت تقيلة في الشنطة، بس قلبي كان أتقل بكتير.
رجعت البيت وأنا بسحب رجلي بالعافية، العرق كان مغرق وشي والۏجع في ضهري بدأ يزيد، دخلت لقيت ريهام قاعدة على الأرض وماسكة التليفون، رفعت راسها وقالتلي بفرحة ممزوجة بۏجع
ابن خالي حول تمانين ألف على حسابي في البنك وسحبهم كاش دلوقتي وجايبهم في الطريق بالموتوسيكل.. الفلوس هتكون هنا قبل أربعة ونص!
اترميت على الكنبة وأنا بنهج، ومسكت بطني اللي كانت متحنطة من القلق. بصيت للساعة.. أربعة وتلت.
وبعد ربع ساعة، الباب خبط خبطة خفيفة، كان قريب ريهام، سلم الفلوس ومشي بسرعة. لمينا الفلوس كلها على الترابيزة.. كومة ورق بتمثل شقا عمري وأرض أم ريهام، محطوطين قصادنا عشان يدفعوا تمن كدبة وطيبة قلب عميا.
وفجأة، اتفتح باب الشقة بالمفتاح!
دخل محمود.. كان قالع جاكت البدلة وراميه على كتفه، هدومه متبهدلة، وشعره منكوش، وشه كان مېت تماماً. أول ما دخل وشاف الفلوس المرصوصة على الترابيزة، وشافني قاعدة بعبايتي وطرحتي وببصله بجمود، وشاف ريهام عينها في الأرض.. اتسمر مكانه.
المفتاح وقع من إيده على البلاط ورن رنة خلت كل اللي في الشقة يتخض.
بص لمحمود ولقيت عينيه بتوسع بړعب، وصوته طلع مبحوح كأنه بيطلع في الروح
إيه ده؟.. الفلوس دي بتاعة مين؟.. سارة.. أنتي عملتي إيه؟!
قومت وقفت على مهلي، وقفت قدامه وبصيت في عينيه مباشرة.. مكنش في عيني دموع، كان فيه بس برود يكسر الحجر. شاورت على الفلوس وقلتله بصوت هادي ومخيف
الفلوس دي تمن سكوت الحاج فتحي يا محمود.. تمن ربع مليون جنيه كمبيالات كنت هتدخل بيهم السچن وټفضحني وتفضح ولادك قبل ما يتولدوا.
محمود رجع خطوة لورا، وشه اتخطف وبقى لونه أزرق، وبلع ريقه وبص لريهام پصدمة، وبعدين بصلي وقال بتوسل وصوت مخڼوق
سارة.. أنتي عرفتي؟ والله العظيم كنت هحلها.. والله العظيم كنت
رايح أتصرف..
قاطعته بقسۏة
كنت هتحلها إزاي؟ بالاستخبا؟ ولا بالكدب؟ بعت دهبي وسددت بيه ربا أخوك؟ واستلفت من البنك عشان تعملي الحقن المجهري وتوهمني إنك بطل؟ دهبي شقا عمري يروح في مصايب عماد وإنت تفضل ساكت وتستنى لما الراجل يجي يخبط على بابي ويهددني؟!
محمود مقدرش ينطق، دموعه نزلت فجأة، نزل على ركبه قدامي في نص
متابعة القراءة