حصاد الغدر ج 1 حكـايات مني السيد حصري
المحتويات
وحيد قعد على كرسي السفرة، فرد رجليه بأريحية وفتح نوتة جلد سودا كان كاتب فيها تفاصيل بالتواريخ والأرقام، وبص لطارق اللي كان واقف مسمر مكانه بيفرك في صوابعه أستاذ طارق، أنت شغال محاسب في شركة مقاولات صغيرة، ومرتبك مبيكملش عشرة
آلاف جنيه في أحسن حالاته، صح؟ طارق جز على سنانه ورد بنرفزة مرتبي وحياتي الشخصية ملكش دعوة بيها! أنت بتستجوبني بصفتك إيه في شقتي؟ المحامي ابتسم بسخرية هادية بصفتي وكيل رسمي عن الحاج عبد الحميد ومدام نيرة. مرتبك يخصك لوحدك، بس لما يكون حساب نيرة في البنك الأهلي اللي أنت مضاف عليه بحق السحب والإيداع فقط لإدارة مصاريف العيادات والتحاليل اتسحب منه على مدار التلات شهور اللي فاتوا ربع مليون جنيه كاش، يبقى ده صميم شغلنا وشغل النيابة كمان ساعة لو حبيت.
طارق عينه زاغت وبص لأمه بصة كلها ړعب، أمه بلعت ريقها ونزلت إيديها من على وشها وبدأت تبص في السقف، المحامي كمل ببرود السبعين ألف جنيه اللي اندفعوا كاش لمستخلص الترخيص بتاع ورشة الميكانيكا بتاعة أخوك الصغير في دمنهور... وخمسين ألف جنيه راحوا عربون عربية مستعملة والدتك اشترتها لأختك المطلقة عشان تشتغل بيها، والباقي اتفرتك على أقساط تلاجة وشاشات وكروت شحن، غير تمن التلاجة اللي محطوطة دي اللي فاتورتها طالعة باسم مدام نيرة من فرع كارفور المعادي يوم التلات الساعة تلاتة العصر... يعني وهي مدبوسة في بنج العمليات القيصري!
طارق بدأ يتلعثم وصوته يرعش د... دي كانت فلوس البيت، ونيرة كانت عارفة، هي اللي قالتلي اتصرف في مصاريف الولادة ومصاريفنا... نيرة قاطعته بصوت حاد ومسموع قطع حبل كدبه أنا قولتلك اتصرف في حدود عشرين ألف جنيه للمستشفى والحضانة لو احتجنا! مقولتلكش افتح خزنتي ووزع على عيلتك عشان ترضيهم على حسابي وحساب بناتي! كنت فاكرني نايمة في العسل ومش عارفة الرسايل اللي بتجيلي على خطي التاني؟
طارق اټصدم وبص لموبايلها خط تاني إيه؟ نيرة رفعت موبايلها القديم الصغير اللي كان مستخبي في جيب إسدالها الخط اللي مربوط بالبنك من الأساس ومغيرتش رقمه ولا خليتك تعرفه. كل مليم سحبته كان بيوصلي بيه إشعار لحظي، وكنت ساكته، عارف ليه؟ عشان كنت مستنية أشوف عينتك هتفضل واطية لحد فين! قولت يمكن لما يشوف بناته في حضنه قلبه يلين وينضف، يمكن يستحي ويقول بناتي أولى... لكن
أول ما دخلت البيت لقيتك حاططلي تلاجة وكاتب عليها أساميكم وكأننا شحاتين داخلين عليكم سبيل!
الحاجة فتحية لقت الكلام رايح في سكة وحشة أوي والفلوس اللي اتوزعت على عيالها التانيين هتتفضح وممكن تتحبس هي وابنها، فبدأت تلعب على وتر تاني الله يسامحك يا بنتي... الله يسامحك، ده إحنا كنا بنوفرلك ونرتبلك العيشة، والفلوس دي طارق كان هيرجعها قرش ينطح قرش من جمعياته، مش إحنا اللي ناكل مال حد! الحاج عبد الحميد ضړب بعكازه ضړبة تقيلة على البلاط خلت الكل يسكت تماماً المال ده هيرجع، وده مش خيار، ده إجباري. بس قبل ما نتكلم في الفلوس، طارق ينزل دلوقتي حالا زي الشاطر يلم كل كراكيبه وهدومه من الأوضة دي، ووالدته تدخل تلم شنطتها من أوضة عيالي، عشان البنات عايزين يرتاحوا وريحة النفاق دي لازم تطلع من الشقة فوراً.
مصطفى بص في ساعته وقال باقي عشرين دقيقة يا طارق. لو رجلكم معتبتش برة الباب مع رنة التايمر، المحضر هيروح، وتنسى بقى وظيفتك في شركة المقاولات عشان الصحيفة الجنائية هتفضل منورة بقضية سړقة وخېانة ائتمان.
طارق حس إن كل الحبال اتقطعت، والرجولة المزيفة اللي كان لابسها إمبارح وهو بيتبغدد بالتلاجة ساحت كأنها حتة زبدة على ڼار حامية. لف وشه من غير ما ينطق ولا كلمة، ومشي بخطوات مکسورة ناحية أوضة النوم عشان يلم هدومه. فتحية جريت وراه الأوضة، وقفلت الباب وراهم، ومن ورا الخشب كان صوت همسها العالي وزعيقها المكتوم طالع شوفت أهو؟ شوفت أخرة عمايلك السودة؟! مش قولتلك استنى لما نسجل الشقة باسمك الأول؟ أهو رمتك رمية الكلاب وڤضحتنا قدام إخواتها! طارق رد عليها پقهرة وغيظ أنتي اللي قولتيلي اتقل واكسر عينها من أول يوم عشان متطلبش مصاريف زيادة وتشتغل وتصرف هي! أنتي اللي ورطتيني في سحب الفلوس بتاعة ورشة وائل وعربية سحر!
برة في الصالة، نيرة قعدت على الركنة بتعب، أحمد جابلها كباية مية دافية وحط إيده على كتفها بحنية ارتاحي يا حبيبتي، خلاص الکابوس بيخلص، وراسك تفضل مرفوعة دايماً. الحاج عبد الحميد قرب منها
وباس راسها بناتك هيكبروا وسط رجالة يشيلوهم على كفوف الراحة يا نيرة، ومفيش كلب يقدر يذلهم بلقمة عيش ولا شربة مية طول ما فيا نفس. نيرة مسحت دمعة يتيمة كانت هتنزل من عينها وقالت بقوة أنا مش زعلانة عليه يا بابا، أنا زعلانة على الأيام اللي صدقته فيها، بس الحمد لله ربنا نجاني ونجى بناتي قبل ما نغرق أكتر من كده.
بعد ربع ساعة، باب الأوضة اتفتح. خرج طارق جارر شنطة سفر سودا كبيرة، وشايل في إيده بدلة في كيس بلاستيك. وراه كانت فتحية شايلة شنطتين هاندباج مليانين على أخرهم، وحاطة على كتفها ملاية سرير كانت نيرة شرياها من جهازها! نيرة أول ما شافت الملاية، رفعت حاجبها وقالت باستهزاء حتى ملايات جهازي يا حاجة فتحية؟ رخيصة للدرجة دي؟ فتحية وشها احمر ونزلت الملاية على الأرض من غير ما تنطق، وزقت الشنط لقدام. أحمد وقف قدامهم وقال بصرامة افتح الشنط دي يا طارق. طارق صړخ پقهر جرى إيه يا أحمد؟! هدومي كمان هتفتشوها؟ إيه الإهانة دي! أحمد بصله من غير ما يرمش اللي مد إيده في حساب بنكي مش بتاعه وسرق ربع مليون جنيه، ما يتأمنش على دهب أخته ولا أوراق بنته. افتح الشنطة بدل ما أفتحها أنا بطريقتي.
طارق قعد على ركبه في الأرض بإذلال تام، فتح السوستة بتاعة الشنطة الكبيرة. أحمد قلب في الهدوم بسرعة، ومصطفى فتش شنط فتحية. طلعوا منها علبة برفان غالية كانت بتاعة نيرة، وساعة يد فضة كانت هدية من والدها، رموهم على الترابيزة من غير كلام، وطارق باصص في الأرض وعينيه مفيهاش ذرة كرامة باقية.
الأستاذ وحيد وقف وطلع إيصال أمانة على بياض، ومعاه ورقة تانية مطبوعة أستاذ طارق، الفلوس اللي اتسحبت دي هتترد في خلال ست شهور، كل شهر تدفع قسط في البنك في حساب نيرة، وهتمضي هنا على التعهد ده وإيصال الأمانة ده كضمان، مع التنازل التام عن أي حقوق أو ادعاءات في الشقة دي، وقضية الطلاق للضرر هتترفع في ميعادها وتتنازل عن حضانة البنات بدون
شوشرة، وإلا محضر السړقة جاهز يتسلم للنيابة العصر.
طارق مسك القلم بإيد بتترعش، بص لأمه اللي شاحت بوشها بعيد كأنها متعرفوش، وبص لنيرة اللي كانت بتبصله بجمود كأنه چثة هامدة مفيش فيها روح. مضى على الورق، وبصم عليه بإبهامه، ورما القلم على الترابيزة.
الحاج عبد الحميد شاور على باب الشقة المفتوح مع السلامة... والباب اللي يتقفل وراكم ميفتحوش غير اللي يستاهل يعتب عتبته.
طارق سحب شنطته، وأمه
متابعة القراءة