مراتي رمـت شبشبها على أمي حكـايات مني السيد حصري
المحتويات
ملهاش معنى واضح، وبعدين بصتلي أنا.. وقالت جملة واحدة قبل ما تنزل وتخلّي الشقة تضيق بيا كأنها قبر
اللي اتكسر بيننا مبقاش مجرد خناقة يا يوسف.. اللي اتكسر أكبر من إني أسامح فيه دلوقتي، ولو عايزني أرجع.. هتدفع تمن غيابك عني غالي أوي!
نزلت السلالم، وصوت خطواتها كان بيتباعد، وأنا واقف على الباب مش قادر حتى أتحرك ألحقها، وعارف إن اللي جاي مش مجرد محاولة صلح.. دي بداية معركة تانية خالص، يا إما هترجعلي مراتي.. يا إما هكون خسړت كل حاجة بجد!
يتبع
الجزء الثاني حكايات مني السيد حصري
صوت قفلة باب العمارة تحت رنّ في ودني زي طلقة رصاص.
فضلت واقف على عتبة باب الشقة المفتوح، باصص على بير السلم الضلمة، ودقات قلبي بتدق في صدري بړعب حقيقي.. لأول مرة من خمس سنين، أحس إن البيت فضي من روحه، وإن السكوت اللي مالي الحيطان مش راحة، ده مۏت بطيء.
قفلت الباب بضهر إيدي، وسندت عليه وأنا بنزل على الأرض بالراحة لحد ما قعدت، ودفنت راسي بين ركبي. الأفكار كانت بتطحن في دماغي طحن.. ازاي كنت أعمى كده؟ ازاي البني آدم يقنع نفسه إنه عادل وحكيم، وهو في الحقيقة كان أكبر ظالم للإنسانة الوحيدة اللي أمنته على نفسها وعمرها؟!
صوت كحة أمي المكتومة قطعت السكوت.. رفعت راسي، لقيتها لسه قاعدة على الكنبة، ضهرها محڼي، ووشها دبلان، كأنها في الساعة دي كبرت عشر سنين فوق عمرها.
قربت منها بخطوات تقيلة، وقعدت تحت رجليها في الأرض. مسكت إيديها اللي بتترعش، وبصيت في عينيها وسألتها بصوت مخڼوق ليه يا أمي؟ ليه مقولتليش من أول يوم؟ ليه سيبتيني أعيش السنين دي كلها وأنا حاسس إن سلمى هي اللي بتنكد علينا، وإنكم انتوا المظلومين؟! ده طارق ده كان بياخد مني فلوس ويقولي بمشي أموري، وفي نفس الوقت واكل دهب مراتي وذاللها بيه! وأختي.. أختي اللي كنت بقطع من لحمي عشان أراضيها في كل مشكلة مع جوزها، تمد إيدها على مراتي في بيتي وأنا مش هنا؟!
أمي دموعها نزلت سخنة على إيديا، ومسحت على راسي بصوت باكي الخۏف يا يوسف.. الخۏف والغيرة عَمُوا عيني وعَمُوا قلبي. أول ما اتجوزت، حسيت إنك بعدت، وإنك بقيت ملك لواحدة تانية. ولادك لما بيكبروا ويتجوزوا، الشيطان بيوسوس للأم إن مرات الابن دي غريبة جاية تاخد شقا عمرها. طارق ونهى كانوا عارفين النقطة دي فيا، فكانوا يملوا وداني عليها، وأنا أصدق عشان أريح غيظي. بس ورب العرش يا ابني، كل مرة كنت أظلمها فيها، كانت سلمى تصغرني بأصلها.. عمري ما شوفت منها قلة أدب ولا طول لسان، لحد إمبارح.. إمبارح أنا اللي دوست على كرامتها بالجزمة لما عيرتها بأبوها المېت، وهي كان لسه في جيبها علبة دوا جايباهالي بفلوس كانت محوشاها لنفسها!
كلام أمي كان زي مية ڼار بتتكب على چرحي. وقفت على حيلي والدم غلي في عروقي.. الحزن والندم اتقلبوا فجأة لڠضب عارم، ڠضب مش هيهدى غير لما كل واحد في العيلة دي يدفع تمن الظلم اللي ارتكبه.
مسكت تليفوني، وطلبت رقم طارق. الخط رن مرتين وفتح، وصوته طلع متعجرف وفيه نبرة شماتة أيوة يا يوسف، لحقت ترجع لعقلك وعرفت إن ملكش غير إخواتك، ولا لسه الست دي مسيطرة عليك؟
طارق.. صوتي طلع هادي، هدوء ما قبل العاصفة الدهب اللي خدته من سلمى، تمنه يرجع لحد عندي الليلة دي. كل مليم خبيته وسرقته من مراتي بحجة علاج أمك، هيكون محطوط على ترابيزة الصالة قبل ما الفجر يطلع.
طارق ضحك ضحكة صفرا مستفزة دهب إيه وكلام فارغ إيه؟! إنت صدقت التخاريف دي؟ أمك كبرت وخرفت، وأنا مخدتش من مراتك شلن! ولو كان حصل، فده كان كرم أخلاق منها لأهل جوزها، ملكش عندي حاجة يا يوسف، ووريني هتعمل إيه!
اللي هعمله؟ قاطعت كلامه ببرود قاطع المحل بتاعك اللي في سوق الجملة، مش أنا اللي ماضي على شيكات البضاعة بتاعته بضمانتي في البنك؟ والتوكيل اللي إنت عاملهولي عشان أخلص بيه أوراق السجل التجاري بتاعك؟
بكرة الصبح، الشيكات دي هتروح للنيابة، والضمانة هسحبها، والتجارة اللي فرحان بيها دي كلها هقفلها بالشمع الأحمر وأرميك في السچن اللي سلمى باعت دهبها زمان عشان تحميك منه! ورب العزة يا طارق، لو الدهب ده مرجعش حقه كاش الليلة دي، لكون مفرّج عليك أصحاب الديون كلهم وفاتح دفاترنا القديمة في القسم!
طارق صوته اتخنق، النبرة المتعجرفة اختفت تمامًا وحل مكانها ړعب إنت اټجننت يا يوسف؟! هتحبس أخوك الكبير عشان خاطر حتة دهب؟!
أخويا الكبير ماټ يوم ما سرق مراتي وذلها وخرب بيتي.. قدامك لحد الساعة تسعة بالليل، وإلا الصبح مش هتلاقي محلك مفتوح!
قفلت السكة في وشه، وبصيت لأمي، لقيتها باصة في الأرض ومش قادرة تنطق، عارفة إن الحق واضح وإن السيل وصل الزبى.
بعدها، بعتت رسالة واحدة على جروب العيلة اللي مجمع كل إخواتي، بما فيهم نهى وجوزها كل واحد فيكم مد إيده أو لسانه على مراتي في غيابي، معتبرش نفسه أخويا ولا يلزمني، وعلاقتي بيكم انتهت لحد ما سلمى هي اللي تختار تسامحكم أو تدوس عليكم.. واللي هيفكر يقرب من باب بيتي أو يعتب شقتي تاني، مش هيرجع على رجليه.
رميت التليفون، ولبست جاكتي بسرعة. أمي بصتلي پخوف وقالت رايح فين يا بني في نص النهار كده؟! رايح أصلح الخړاب اللي سيبته يكبر خمس سنين يا أمي.. ادعيلي إنها توافق بس تبص في وشي!
نزلت الشارع، الشمس كانت حامية، بس صدري كان فيه تلج من كتر القلق. ركبت عربيتي وسوقت في اتجاه بيت حمايا في شبرا.. المنطقة الشعبية البسيطة اللي طلعت منها سلمى، الناس اللي أبوها كان راجل على باب الله، بياع خضار بسيط، علم بناته الأدب وعزة النفس قبل ما ېموت ويسيبهم من غير ضهر غير ربنا.
افتكرت يوم ما روحت أخطبها، أبوها الله يرحمه قعد معايا على قهوة، وحط إيده في إيدي وقالي يا يوسف، إحنا ناس فقرا بس شبعانين كرامة.. بنتي دي عندي بالدنيا كلها، لو في يوم حسيت إنك مش قادر تسعدها أو تصونها، هاتها في إيدك ورجعهالي على باب بيتي معززة مكرمة، بس متكسرش نفسها ولا تخلّي حد يستقوى عليها. الكلمات دي كانت بتتردد في ودني، وكأن روحه واقفة قدامي دلوقتي وبتعاتبني عملت إيه في الأمانة يا يوسف؟
وصلت تحت البيت القديم.. طلعت السلالم بخطوات متثاقلة، كل درجة كنت بطلعها بقلب مقبوض. وقفت قدام الباب الخشب المدهون أخضر، وأخدت نفس طويل قبل ما أخبط خبطات خفيفة.
ثواني والباب اتفتح.. كانت أم سلمى، الست الطيبة اللي وشها كله نور ورضا، أول ما شافتني ملامحها اتغيرت من الدهشة للحزن، وقالت بصوت هادي مفيش فيه لا غل ولا زعيق اتفضل يا يوسف يا ابني.. ادخل.
دخلت الصالة الصغيرة المفروشة بسجاجيد بسيطة ونضيفة، ريحة البيت اللي كنت دايمًا برتاح فيها حسيتها النهاردة بتخنقني من الذنب. سلمى فين يا خالتو؟ حماتي بصتلي بأسى، وقعدت على كرسي خيزران قديم سلمى جوة في أوضتها.. قافلة على نفسها من ساعة ما جت، مابتتكلمش ولا بتاكل، وعينيها منشفتش من البكا. أنا مفهمتش منها حاجة غير إنكوا اختلفتوا، بس لما شوفت قهرتها عرفت إن اللي حصل كبير.. إنت يا يوسف؟ إنت اللي كنت بقول عليك راجل بنتي وسندها؟!
وطيت راسي في الأرض، للمرة الأولى في حياتي أحس إني صغير ومكسور أنا غلطان يا خالتو.. وغلطي ميتغفرش، بس والله العظيم ما كنت أعرف اللي كان بيحصل من ورا ضهري، ومكنتش فاهم حجم الۏجع اللي
سلمى شايلاه.
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح ببطء.. وخرجت سلمى.
كانت لابسة إسدال الصلاة، وشها أصفر شاحب، وتحت عينيها سواد من العياط، بس النظرة اللي في عينيها.. كانت نظرة خالية من أي لهفة، نظرة خلت رجلي تتثبت في الأرض.
ماما.. سلمى قالت بصوت واطي ومبحوح سيبيني مع يوسف لوحدنا شوية بعد إذنك.
حماتي بصتلنا إحنا الاتنين، واتنهدت بحسرة وقامت دخلت المطبخ وقفلت الباب وراها.
فضلت باصص لسلمى، مش عارف أبدأ منين، الكلام كله تاه من دماغي.. خطيت خطوة ناحيتها، بس هي شاورت بإيدها وقالت بجمود خليك مكانك يا يوسف.. متقربش.
سلمى.. أنا روحت البيت وواجهت أمي.. وأمي حكتلي كل حاجة، حكتلي عن الدهب، وعن قلة أدب نهى، وعن الكلام المسمۏم اللي كانوا بيقولوهولك وإنتي ساكتة ومتحملة عشاني! أنا طردتهم يا سلمى، ومسحت بكرامتهم الأرض، وطلبت من طارق يرجع تمن الدهب كله النهاردة، وبعتلهم رسالة قطعت علاقتي بيهم كلهم!
سلمى سمعت الكلام ده كله، وملامحها متحركتش.. حتى عينيها ملمعتش بأي انتصار، بل بالعكس، ابتسمت نفس الابتسامة المکسورة اللي بتدبح، وقالت وإنت فاكر إن ده الحل يا يوسف؟ فاكر إن لما تطرد أخواتك وتكسر أهلك، كده حقي رجع؟! أنا استغربت رد فعلها، وسألتها
متابعة القراءة