تورتة شاي الاخضر ج 2 حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

وبيعيط زي العيل الصغير.
سامحيني يا ندى... سامحيني والله ما كنت أعرف حاجة... أنا كنت غبي ومغمي عيني عن كل حاجة بتحصل في البيت...
طبطبت على كتفه بتعب إنت ملكش ذنب يا أحمد... المهم أختك دلوقتي تقوم بالسلامة.
وصلنا مستشفى الدمرداش.
ريحة المطهرات وأجهزة التنفس والهدوء التقيل بتاع غرف الرعاية المركزة.
كان فيه عسكريين واقفين على باب الأوضة برة، مانعين أي حد يقرب. أحمد ورّاهم بطاقته وأنا اتكلمت معاهم وسمحوا لنا ندخل واحد واحد بعد ما لبسنا البالطو والكمامات.
دخلت أنا الأول.
كاميليا كانت نايمة على السرير، وشها اللي كان امبارح مليان حيوية وشباب، كان دبلان وشاحب، بس الزرقان اللي كان في شفايفها بدأ يخف شوية. الأجهزة حواليها كانت بتصدر نغمات منتظمة بتدل إن النبض استقر وإن الخطړ الحقيقي عدّى بفضل ربنا وغسيل المعدة السريع اللي اتعملها أول ما وصلت.
قربت من السرير، ومسكت إيدها الباردة بين إيديا الاتنين.
فجأة، جفونها اتحركت ببطء، وفتحت عينيها بتثاقل، عنيها كانت تايهة لثواني لحد ما ركزت في وشي.
دمعة نزلت من طرف عينها على المخدة، وحاولت تحرك شفايفها الناشفة تحت ماسك الأكسجين، وسمعت صوتها بيطلع واطي ومتقطع ندى... إنتِ... كويسة؟
الدموع نزلت من عيني ڠصب عني، ضغطت على إيدها بحنية وقولت لها أنا كويسة وزي الفل يا كاميليا... المهم إنتِ... إنتِ اللي قمتيلنا بالسلامة يا حبيبتي.
كاميليا هزت راسها بحزن مرير أنا... أنا أكلت الحتة الصغيرة دي عشان... عشان أتاكد... خفت تكوني أكلتي منها في البيت... كنت فاكرة إني هاخد عينة بس الفضول والخۏف خلوني أدوق طرفها عشان أشوف ليها طعم غريب ولا لأ... محستش بنفسي بعدها غير والدنيا بتلف بيا وبقع في الأوضة...
اهدي وماتتكلميش خالص دلوقتي، متفكريش في أي حاجة، محمود ويوسف اتمسكوا وكل حاجة بانت، وحقك هيجيلك تالت ومتلت بالقانون.
كاميليا غمضت عينيها وأخدت نفس طويل فيه راحة مخلوطة بۏجع الفراق والغدر، كأنها بتطرد سمۏم التجربة كلها من جسمها.
عدّى تلات شهور على اليوم المشؤوم ده.
تلات شهور كانت كفيلة إنها تغير حياتي للأبد وتخليني واحدة تانية خالص.
محكمة الجنايات كانت سريعة وحاسمة بعد ما تقارير الطب الشرعي والاتصالات والتفريغات الصوتية واعترافات الممرض ويوسف كشفت المؤامرة بالكامل.
محمود اتحكم عليه بالسجن المشدد ١٥ سنة پتهمة الشروع في القټل العمد مع سبق الإصرار والترصد والتحريض عليه. ويوسف أخد سبع سنين مشدد لمشاركته وتوفيره المادة السامة واستغلال وظيفته. والممرض الخاېن أخد عشر سنين.
أما حماتي... فالنيابة حفظت التحقيق ضدها في الشروع پالقتل لعدم كفاية الأدلة على علمها بوجود السم الحقيقي، بعد ما ثبت إن محمود استغل كرهها ليا وخلاها تشتري
التورتة وهي فاكرة إنها مجرد حاجة هتتعب معدتي عشان أتنازل عن الشقة، بس الحكم الحقيقي اللي نزل عليها مكنش من القاضي... الحكم كان من الدنيا نفسها.
الست جالها جلطة خفيفة في المخ يوم صدور الحكم على ابنها الكبير، أثرت على حركتها وبقت مش قادرة تتحرك غير بعكاز أو بمساعدة حد. البيت الكبير اللي كان دايماً عامر بصوتها وزعيقها بقى كئيب ومظلم، وأحمد هو اللي شايلها وبيراعيها، وهي عايشة كل يوم في عڈاب الضمير، شايفة بنتها كاميليا مش قادرة تبص في وشها وواخدة منها جنب، وشايفة ابنها الكبير بيضيع شبابه ورا القضبان، كل ده عشان الغل والطمع اللي كان مالي قلبها وعماها عن الحق.
وأنا...
أنا رفعت قضية طلاق للضرر وكسبتها في أول جلسة بحكم المحكمة الجنائية.
ورجعت شقتي في زايد، الشقة اللي كانت السبب في كل السواد ده، وبعتها فورًا. مكنتش طايقة أقعد فيها ولا أشوف حيطانها اللي بتفكرني بكل كدبة وخېانة عشتها على مدار ست سنين.
الفلوس اللي طلعت بيها، فتحت بيها مكتبي الخاص للترجمة والخدمات اللغوية، وبدأت أركز في شغلي ومستقبلي ونفسي.
النهاردة الصبح، كنت قاعدة في كافيه هادي في الشيخ زايد، فاتحة اللابتوب وبشرب فنجان قهوة سادة ومستمتعة بنسمة الهوا وشمس الصباح الجميلة.
لقيت تليفوني بيرن، وبصيت على الشاشة.
كانت كاميليا.
ابتسمت وفتحت الخط صباح الورد يا كوكي!
جالي صوت كاميليا من الناحية التانية مبهج، صوت واحدة رجعت لها الروح من جديد بعد ما نجت من المۏت بأعجوبة صباح الفل يا أحلى ندى في الدنيا! بتعملي إيه؟
قاعدة بخلص شغل وبشرب قهوتي، إنتِ عاملة إيه وصحتك إيه النهاردة؟
الحمد لله يا رب، أحسن بكتير أوي. أنا مكلماكي عشان أقولك إني استلمت شغلي الجديد في السنتر الكبير اللي في المهندسين خلاص، والنهاردة أول يوم ليا، وحبيت إن أول مكالمة أعملها تكون ليكي إنتِ... إنتِ اللي وقفتي جنبي وسامحتيني على غبائي، ومع إنك شوفتي من عيلتنا أسوأ حاجة ممكن إنسان يشوفها، بس عمرك ما اتخليتي عني في المستشفى.
اتنهدت براحة وقولت لها بصدق إنتِ أختي يا كاميليا، وإنتِ كنتِ هتضحي بحياتك عشان تنقذيني لما عرفتي الحقيقة وحاولتي تمنعي الکاړثة. إحنا الاتنين كنا ضحاېا لطمع وغدر واحد، وربنا نجدنا عشان نبدأ من جديد.
ضحكت كاميليا وقالت بنبرة فيها هزار خفيف مسح كل أثر للحزن بس أمانة عليكي يا ندى... عيد ميلادي الجاي، بلاش تورتات خالص! لا شاي أخضر ولا شوكولاتة! هاتيلي ورد أو حتى سندوتشين شاورما، أضمن وأأمن بكتير!
ضحكنا إحنا الاتنين من قلبنا، ضحكة صفت كل اللي فات وفتحت صفحة جديدة في حياتنا.
قفلت معاها المكالمة، وبصيت للسما الزرقا الصافية فوقيا.
ساعات بنفتكر إن المصاېب بتيجي عشان تدمرنا وتنهي حياتنا، بس الحقيقة إن ربنا بيبعتلنا الصدمات دي عشان يفتح عينينا، عشان يفصل الخبيث من
الطيب، وينقذنا من حفرة كنا هنفضل واقعين فيها طول عمرنا وإحنا فاكرين إنها جنة.
قفلت اللابتوب، أخدت آخر بؤ من فنجان القهوة، وابتسمت وأنا بقوم أمشي في طريقي... طريق جديد، مفهوش لا سمۏم ولا أقنعة مزيفة، طريق مفروش بالحرية وراحة البال.

تم نسخ الرابط