انا وعيلتى حكايات بسمه

لمحة نيوز

في الجامعة وتحضر الحفلات وتسوق عربية فارهة وأنا ما كنتش أعرف عنها شيء.
العيلة كلها كانت تحت ضغط هائل. المحققين جابوا أسئلة كتير لماذا سكتّم؟ لماذا غطّيتم عليها؟ لماذا أجبرتم ابنتكم الكبرى على الاعتراف بذنب لم تقترفه؟
أمي كانت تجيلي كل يوم تقف ورا الزجاج في مكتب المحاماة، وتترجاني أسامحها، وتقول لي إنها كانت خاېفة على أوليفيا، وإنها كانت فاكرة إن حياتي مش هتتأثّر قويّ، وإنها كانت فاكرة إنني هتحمل واتنازل زي دايماً.
في يوم من الأيام، قلتلها بصوت بارد بلا أيّ مشاعر يا ماما أنا ما كنتش أطلب منكم حبّ زي ما حبّيتوها. كنت بس أطلب منكم ما تسرقوش حياتي. ده كان طلب بسيط قويّ بس ما عملتوش بيه.
بكت أمي وقالت كنت فاكرة إنكِ قوية إنكِ تقدر تتحمّلي.
القوة دي ما كانتش عشان أضحّى بيها في سبيل الغير رديت عليها كانت عشان أحمي نفسي. وعشان أحمي حقي. وأخيرًا استخدمتها في الصح.
أبويا لم يكلّمني تقريبًا. كان خجولًا مني لدرجة المۏت. لما قابلته مرة في مبنى المحكمة، كان وجهه شاحب وعيناه غارقة. قال لي بصوت متقطع سامحيني يا بنتي. ما كنتش أعرف إننا وصلنا للمرحلة دي.
قلت له بهدوء المشكلة يا بابا إنكم كنتم عارفين بس اخترتم ما تشوفوش. كنتم بتختاروا الأسهل دايماً تضحّوا بي عشان تبقوا مرتاحين. واليوم الثمن ده كله بيّن قدامكم.
إيثان أخويا الكبير جالي في بيتي الجديد الشقة الصغيرة اللي استأجرتها بعيدًا عنهم جالي متأخرًا في الليل، وشكله مرهق ومتعب. قال لي وهو قاعد قدامي وبصّ في الأرض أنا كنت فاكر إنكِ أنانية لما رفضتي تعترفي. كنت جاي أقول لكِ خفّفي علينا وخلّصي الموضوع. ولما شفت الأدلة شفت الصورة والتقرير الطبي وجواب الجامعة حسّيت إنني كنت أعمى. سامحيني يا كلارا.
بصّيتله طويلًا. كان أخي الكبير اللي كنت أتمنى إنه يحميني زي ما بيحميها. قلت له السماح مش صعب. بس الصعب إنكم فكّرتم فيّ كأني شيء يُعطى ويُؤخذ على حسب راحتكم. الصعب إنكم ضحّيتم بيا بكل بساطة كأنني مش بنتكم ومش أختكم.
ما كنا نستاهل حبّكِ قال بصوت مخڼوق وما زلت مش عارف إزاي طلبنا منكِ تضحي تاني بعد كل اللي أخذته منكِ.
مرّت أيام المحاكمة التالية بثقل وضراوة. كل يوم كانت تُعرض أدلة جديدة شهود رأوا أوليفيا تسوق تلك الليلة، تسجيلات صوتية لاتصالاتها وهي تترجاهم يغطّوا عليها، وحتى اعترافها الكامل أمام المحققين بكل شيء.
اتضح إن مرضها كله كان مسرحية من تأليفها بدأت بها لما شافت إنني بدأت أحقق درجات عالية وإنني قريبة من تحقيق أحلامي. فقررت تسحب البساط من تحت رجليّ من أول الطريق. قالت لهم إنها تعبانة، وإن حياتها في خطړ، وإنها محتاجة دعمهم الكامل واتهمتهم إنهم يقصّرون معاها لو ما فضّلوها عليّ. وهم بضعفهم وحبهم الأعمى لها صدّقوها وآثروها عليّ.
في الجلسة الأخيرة، وقفت أوليفيا أمام القاضي بلا كرسي متحرك واقفة على رجليها بكل وضوح. خطواتها كانت مترددة وخجولة، بس كانت تمشي. وبكيت قدام الجميع وقالت أنا آسفة آسفة على كل اللي عملته. سړقت حياة شقيقتى وسړقت مستقبلها وقټلت إنسانًا بريئًا بتهوري وچنوني. وأعرف إن آسفتى مش هتكفي بس صدقوني أنا كنت خاېفة. خاېفة من الفشل خاېفة إنكم تكرهوني لو فشلت. فكذبت وكذبت لحد ما الكذب أكلني أنا كمان.
بصّت لي وقالت بصوت يسمعه كل من في القاعة أنا سلبتكِ كل حاجة ورجّعتلكِ حاجة واحدة بس كرامتكِ. وأتمنى إنها تكون كافية
لتبني حياتكِ من جديد. وأنا مستعدّة لما يستحقه فعلتي.
القاضي أصدر حكمه في نهاية الجلسة أوليفيا بنيت أدينكِ پتهمة القټل الخطأ تحت تأثير الكحول، والهرب من مكان الحاډث، وانتحال هوية الغير، وتزوير وثائق رسمية، والاحتيال. مجموع العقوبات سجن لمدة خمسة وعشرين عامًا. وأما بخصوص أفراد العائلة فقد تقرّر توجيه تهم التواطؤ والتستر على الچريمة لكل من الأب والأم والأخ. ويتمّ إحالتهم للتحقيق لتحديد مسؤولية كل واحد منهم.
نظرت لي أوليفيا مرة أخيرة قبل أن يأخذوها بعيدًا نظرة كان فيها ندم حقيقي وإنكسار. وما قدرتش أكرهها في تلك اللحظة. شفتها كإنسانة ضاعت في خيارها، واختارت الطريق الخطأ خطوة ورا التانية لحد ما ما عادش فيه رجوع.
وبقيت أنا واقفة في مكاني حرة. حرة من عبودية السنين. حرة من أوامرهم ونظراتهم ومطالبهم. حرة لأبني حياتي بالطريقة اللي أنا عايزاها.
خرجت من المحكمة وشمس النهار دافئة على وجهي. الهواء كان نقيًّا ومختلفًا. فتحت جواب القبول اللي كان معي وقرأت الكلمات مرة تانية نحن سعداء جدًا بقبولكِ في كلية الحقوق
ابتسمت. أربع سنين تأخرت بس وصلت. والطريق قدامي طويل ومشرق. وبدأت أمشي ومشيت بكل ثقة. لأن كل خطوة من هنا ورا خطاي أنا. وحياتي أخيرًا بقت ملكي.
الفصل الثالث البداية بعد النهاية
مرّت سنة كاملة. سنة مليئة بالتغييرات فيّ، وفيهم، وفي كل حاجة حواليا.
بدأت دراستي في الجامعة. المكان اللي كان مفروض أكون فيه من زمان. يوم أول محاضرة، وقفت قدام باب القاعة وقلبي كان بيدق بسرعة. حسّيت بشعور غريب كأنني داخلة مكاني، مكان سُرق مني، ورجع لي أخيرًا. لما دخلت وقفت بين الطلاب، شفت بنات وشباب في سني، كلهم عندهم أهداف وأحلام وقلت لنفسي أنا هنا. وأنا أستاهل أكون هنا.
كان صعب في البداية. الفرق في السنين بيني وبين زملائي خلاني أحسّ إنني كبيرة شويّة، بس خبرات الحياة اللي مررت بيها خلاني أقدر أستوعب وأفهم أسرع. كنت أجتهد بكل قوتي. كل محاضرة أحضرها، كل كتاب أقراه، كل ورقة أكتبها كنت حاسّة إنني بسترجع جزء من حياتي اتسرق. كنت أدرس وأكتب وأنا حاسّة بسعادة ما تُوصف لأن ده اختياري أنا. ده حقي أنا.
أهلي حالهم تغير كتير. العقوبات صدرت بحقهم أمي وأبويا حُكم عليهما بالسجن لمدة عامين مع وقف التنفيذ، وغرامات مالية كبيرة، وسجّل في سجلهما المدني تقصيرًا في الرقابة والتستر على الچريمة. إيثان حُكم عليه بغرامة ومراقبة لمدة سنة. تأثّروا كتير. خسروا احترام الناس والكثير من معارفهم. وبدأت حياتهم ټنهار شيئًا فشيئًا.
كانوا يطلبون مقابلتي دايماً. وأنا كنت أروح لهم من فترة للتانية مش عشان سامحت بسهولة، بس عشان أعرفهم إنني لسه بنتهم، وإن المغفرة ممكن تجي بعد وقت، بس الثمن كان غالي جدًا.
في أحد الأيام، قابلت أمي في مقر المتابعة. كانت تبدو أصغر سنًا بكثير، شعرها بدأ يشيب، وملامحها اتغيّرت بفعل الندم. قالت لي وهي تمسك إيدي بيدها المرتعشتين كلارا ما في يوم حبيتكِ أقل منها. كنتِ مختلفة قوية وواعية من وأنا صغيرة. فكنت أتكلّم عليكِ وأعتمد عليكِ وأطلب منكِ تضحّي لأنني كنتِ أقدر أطلبها منكِ وأنتِ بتعطي بلا تردد. وكنت فاكرة إن ده حبّ لحد ما خسرتكِ وعرفت إن الحبّ مش تضحية الطرف الواحد.
دمعت عيناي وأنا أسمعها. قلت لها أنا كنت مستعدّة أضحّي لكم كل حاجة بس ما كانش ينقصوني حقي وكرامتي. الحبّ الحقيقي يا ماما ما يطلبش من إنسان يتنازل عن نفسه عشان يبقى محبوبًا.
أبويا قال لي في لقائنا التالي
بصوت خفيف مليء بالخزي كنا نعاملكِ كأنكِ البنت
تم نسخ الرابط