جوزي مات وسابلي تلات عيال حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

عدالة ربنا. ربنا مبينساش، واللي يظلم يتيم بيجيله يوم ينداس فيه تحت الرجلين، بس لما شوفتها قدامي بالشكل ده، ملقيتش جوايا فرحة، لقيت وجع وخنقة، وجع على سنين الشقا، وخنقة من الموقف اللي اتحطيت فيه.
طلبت من واحد من العمال يجيب صينية أكل، رز صيادية سخن مع سمك مشوي وشوية شوربة، وحطيتها قدامها كلي يا خالتي، بطنك فاضية وشكلك ما دوقتيش اللقمة من أيام.
بصت للأكل، وبصتلي والدموع بتكر في عينيها سامحتيني يا بنتي؟
بصيت في عينيها ورديت ببرود طالع من قلب اتعلم القسوة من كتر الوجع الكرم والأصل حاجة، والمسامحة حاجة تانية خالص. كلي، وبعدين نشوف هنعمل إيه.
هجمت على الأكل كأنها ما شافتش النعمة من شهور، بتاكل بإيد بتترعش والدموع بتنزل فوق الرز.
سبتها ودخلت لأحمد جوة.
لقيته قاعد على الكرسي، حاطط راسه بين إيديه، وأول ما الباب اتفتح رفع راسه وبصلي بغضب مش هتقعد معانا في البيت يا أمي. لو دخلت الشقة، أنا اللي هسيب البيت وأمشي!
قعدت قدامه على طرف المكتب، ومسكت وشه بين إيديا اسمعني يا أحمد، أنت دلوقتي راجل البيت، وفاهم الدنيا، بس في حاجات لسه بتتعلمها في الأصول. إحنا ما طلعناش قليلين الأصل عشان نبقى زيها. الست دي رمتنا، وربنا هو اللي انتقم، عدل ربنا جه لحد عندك ورماها تحت رجلك مذلولة من غير ما تدعي عليها ولا تقف قدام محاكم.
رد بصوت مخنوق والذل اللي عشناه زمان؟ الجوع والبرد وخوفي عليكي وإنتي راجعة من السوق ضهرك مكسور وإيدك محروقة من فرن السمك؟ كل ده هيروح بلقمة وشوية دموع؟!
لا، مش هيروح، ومحدش نسي، ولا أنا طلبت منك تحبها ولا تقبل راسها. بس الرسول قال ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. لو طردناها دلوقتي وهي في سنها ده وفي الشارع، إحنا اللي هنشيل ذنبها قدام ربنا. ربنا وسع علينا عشان نكرم، مش عشان نتجبر لما نملك القوة. القوة يا بني مش إنك ترفس اللي مد إيده ليك، القوة إنك تديله حق ربنا في الستر وإنت راسك مرفوعة وهو وشه في الأرض.
سكت أحمد، عينيه كانت بتدور في أركان الأوضة، باين إنه بيصارع بين كرامته ووجعه وبين الكلام اللي سمعه.
في الوقت ده، دخلت بنتي الصغيرة نور، كانت لسه جاية من المدرسة، دخلت وهي شايلة شنطتها، أول ما شافت ست عجوزة قاعدة برة بتعيط، وقفت وبصتلنا باستغراب ماما، مين الست اللي برة دي؟ ومالها بتعيط كده؟
أحمد قام وقف وبص لأخته، ورجع بصلي هتقوليلها إن دي اللي خلتنا نبيع حلقانها زمان؟
أخدت نور في حضني، وبصيت لأحمد نظرة أخيرة هقولها إن دي ست كبيرة في السن، محتاجة مساعدة، وإحنا ربنا جعلنا سبب عشان نسترها، مش عشان نعاقبها.
خرجت برة، لقيت حماتي خلصت الأكل، وقاعدة بتبص حولين نفسها برعب، كأنها مستنية اللحظة اللي هنقولها فيها يلا برة.
وقفت قدامها، وقولت بهدوء وثبات شقتنا اللي عايشين فيها فوق المحل، فيها أوضة مقفولة على السطوح بكنبة وسرير. هتقعدي فيها، أكلك وشربك وعلاجك هيطلعولك لحد عندك زي ما ربنا أمر بالمعروف. لكن ما تطلبيش مني ولا من عيالي مشاعر مش موجودة، وما تستنيش من أحمد إنه ينسى في يوم وليلة. إنتي قاعدة هنا عشان دمك اللي ماشي في عروق العيال، وعشان ربنا ما يسحبش ستره من بيتنا مش عشان حاجة تانية.
حماتي نزلت على ركبي، حاولت تبوس إيدي بس شدتها بسرعة لا، متبوسيش إيد حد، ادعي لابنك اللي مات وادعي لنفسك إن ربنا يغفرلك.
قامت وهي بتتمتم بالدعا والدموع مغرقة وشها.
طلعتها للأوضة، فرشتلها غطا نضيف، وسبت معاها نور تونسها بكوباية شاي، ونزلت المحل عشان أتابع الشغل اللي مبيقفش.
بس وأنا نازلة على السلم، حسيت بوجع خفيف في قلبي، وراسي بتلف.
مش من الزعل، ولا من الصدمة لكن حسيت إن وجودها في البيت ده مش نهاية الحكاية، دي بداية نار تانية هتقيد. إبراهيم، ابنها اللي طردها، لو عرف إنها عندنا، وعرف إن المحل ده شغال بالخير ده كله مش هيسكت، والطمع اللي خلاهم يطردونا زمان، هو نفسه الطمع اللي هيخليه يرجع يحوم حوالين المحل عشان يقاسمنا في اللقمة اللي عرقنا فيها.
وقفت في نص المحل، مسحت إيدي في المريلة، وبصيت لأحمد اللي كان واقف على الميزان بيبصلي من بعيد، عيونه كانت بتقول إن المعركة الحقيقية لسه هتبدأ.
مرت الأيام بعد الليلة دي تقيلة وبطيئة، زي المية الراكدة اللي تحتها طين وسواد مستني أي حركة عشان يعكر كل حاجة. حماتي استقرت في الأوضة اللي فوق السطوح، كنت بطلعلها صينية الأكل بإيدي تلات مرات في اليوم، ومعاها شريط الدوا وكوباية الشاي، لكن الكلام بيننا كان على قد السؤال والجواب عايزة حاجة يا خالتي؟، فترد بصوت مكسور ممزوج بدموع الندم تسلم إيدك يا بنتي، ربنا يستر طريقك ويعوض صبرك خير.
كنت بنزل وأسيبها، قلبي ما كانش قادر يصفى بالكامل، بس ضميري كان مرتاح إننا ما رديناش القسوة بالقسوة، ولا رمينا ست عجوزة في الشارع زي ما عملت معانا زمان لما كان لحمنا طري وتراب قبر جوزي لسه مندي.
أحمد ابني كان وشه مقلوب طول الوقت، مبيرضاش حتى يطلع السطوح، وكل ما يشوفني شايلة الصينية وطالعة بيها، يبص في الأرض ويضغط على سنانه بغيظ، عارف إن أمه بتعمل الصح قدام ربنا، بس جرح الطفولة وذكريات القهر كانت لسه حية جوة قلبه، كأنها حصلت إمبارح بس.
وفي يوم جمعة، بعد صلاة الضهر، المحل كان مولع شغل؛ ريحة الشوي والسمنة البلدي في طواجن الجمبري مالية الشارع، والزبائن واقفة طوابير قدام الميزان، والعمال بيجروا في كل اتجاه. كنت واقفة قدام الدرج بحاسب الناس وبظبط الطلبات، وأحمد واقف على ميزان السمك الخارجي، صالب طوله وعينيه صاحية لكل كبيرة وصغيرة في المحل.
وفجأة، حسيت ببرودة غريبة عدت في المكان رغم حرارة نيران الشوي وأفران السمك.
رفعت عيني ناحية الشارع، لقيت توكتوك ركن على جنب، ونزل منه راجل بجلبية مش مظبوطة وسيجارة بين صوابعه، لابس نضارة شمس رخيصة وعينيه عمالة تمسح المحل واليافطة الكبيرة المكتوب عليها بالبنط العريض أسماك البركة لأولاد المرحوم.
كان إبراهيم.
عم العيال، وأخو جوزي الصغير، اللي اتعمل علشانه زمان مسرحية الطرد والجبروت.
وقف يتأمل الرزق والنعمة، عيونه كانت بتاكل الواجهة الزجاجية، والتلاجات الإستانلس الكبيرة، وصواني السمك الطازة اللي بتلمع بالتلج. حسيت قلبي هبد بين ضلوعي، الدم هرب من وشي في ثانية، مش خوف منه ولا من جبروته القديم، لكن قرف واشمئزاز من خيال الماضي لما رجع يتجسد قدامي بلحمه ودمه.
رمى السيجارة تحت رجله وداس عليها بطرف جزمته، ودخل خطوتين جوة المحل، وصوته الرنان المشروخ طلع بكل برود وبجاحة يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم! إيه العز ده كله؟! إيه الأبهة دي يا مرات أخويا؟! بقى إحنا عيلتنا تفتح الصرح ده كله وإحنا مش داريين ولا واصلنا خبر؟!
الصوت ده كان كفيل إنه يخلي الحركة تقف في الصالة. الصنايعية اللي عارفين الحكاية من أحمد بصوله بحذر، والزبائن التفتت باستغراب للصوت العالي المشحون.
أحمد
تم نسخ الرابط