جوزي مات وسابلي تلات عيال حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

ساب كيس السمك اللي كان بيوزنه، ونزل من ورا الميزان بخطوات تقيلة، عروق رقبته اتنفخت ووشه جاب ألوان، وقف سادد الطريق بين إبراهيم وبين الصالة الداخلية، وصوته كان واطي بس فيه فحيح يخوف إنت مين يا بني آدم إنت؟ وعايز إيه من هنا؟
إبراهيم قلع النضارة وحطها في جيب جلبابته، وبص لأحمد من فوق لتحت بنظرة استهزاء وضحكة صفرا بانت فيها سنانه المسوسة مين؟! ما عاش ولا كان اللي ينسى عمه يا حيلتها! كبرت وبقى ليك شنب وطول يا ابن الغالي، وبقيت تقف تضايف عمك بالشكل ده؟! فين التربية اللي أمك ربتهالك؟ ولا الفلوس والقرشين اللي عملتوهم نسوكم الأصول والدم؟
أحمد شد إيده وقبضتها بقت حجر، كان مستعد يديله بوكس يهد وشه في الأرض، بس أنا طلعت من ورا الدرج بسرعة ووقفت في النص بينهم، حطيت إيدي على صدر أحمد عشان أمنعه من الغلط ارجع يا أحمد، دا مش مكانه ولا وقته.
بصيت لإبراهيم، وقفت بثبات الست اللي عاشت المرار كله ومبقاش فيه في الدنيا حاجة تكسرها إنت جاي ليه يا إبراهيم؟ المحل ده محل شقا وأكل عيش حلال، مش مأوى للي مالهومش أصل. سمك وبيع بنبيع للغريب والقريب بالفلوس، إنما لو داخل تتهجم وتعمل نمرة، قسماً برب العزة ألم عليك أهل المنطقة يمسحوا بيك بلاط الشارع.
إبراهيم اتنحنح وابتسامته الصفرا بردت، بص يمين وشمال على العمال اللي كانوا مستنيين إشارة من أحمد عشان يشيلوه من قفاه ويرموه برة، حب يغير نبرته لنبرة العتب المسموم على مهلك يا مرات أخويا، إيه كل الشراسة دي؟! ما كانش العشم! أنا جاي لحماتي لأمي اللي خطفتوها وضحكتوا عليها. الناس في الحارة القديمة قالولي إن أمي عندكم هنا، وأنا جاي أخدها، ولا فاكرين إنكم لما تاخدوها هتاكلوا عقلها وتخلونا ننسى حقنا في التركة والخير ده كله؟!
في اللحظة دي، سمعنا صوت كحّة ناشفة ورجلين بتجرجر على السلم الداخلي.
حماتي كانت نازلة بالراحة، سانة على الحيطة وبتبص برعب. كانت سامعة صوته من فوق وعارفة جشعه اللي ما لوش قرار.
أول ما شافها إبراهيم، اتصنع اللهفة وزعق بتمثيل رخيص يا أماه! بقى تهوني عليكي وتسيبي بيتك وعيالك وتيجي تقعدي في روايح الزفارة وخدمة المحلات؟! تعالي معايا يا غالية، ده البيت بيتك ومطرحك، مراتي اللي زعلتك أنا هكسرلك رقبتها تحت رجلك، بس متقعديش هنا تديهم حجة يشمتوا فينا وياكلوا من ورانا دهب!
حماتي وقفت في آخر درجة، وشها كان أصفر زي الليمونة، سندت بإيدها اللي بتترعش على الترابزين، وبصت لابنها الصغير اللي فضّلته على روحها زمان، اللي ظلمت عشانه أيتام ورمتهم في البرد عشان تملكه الشقة والعفش وتأمن مستقبله.
نزلت دموعها سخنة على خدها، بس المرادي ما كانتش دموع ذل، دي كانت دموع كفر بالندالة بيتي؟! هو أنا ليا بيت عندك يا إبراهيم؟! مراتي هي اللي زعلتني؟! وإنت كنت فين لما كنت بتجرني من دراعي في نص الليل عشان ريحة كبريائي ضايقت الهانم بتاعتك؟! فين بيتي لما رميت شنطة هدومي في الشارع وقفلت الباب في وشي بالمفتاح وقولتلي مش عايز أشوف وشك هنا تاني عشان معيش فلوس أصرف على علاجك؟!
الزبائن في المحل شهقوا، والناس اللي كانت برة بدأت تتجمع على الباب تتفرج على الفضيحة.
إبراهيم ارتبك، وشه اسودّ وبقى يبلع ريقه بصعوبة قدام نظرات الاحتقار اللي نازلة عليه من كل صوب وحدب، حب يلم الموقف بالعافية وقرب خطوة ناحيتها عشان يمسك دراعها يا أماه متفضحيناش قدام الغريب! الكلام ده ما يتقالش في الشوارع، إنتي بتخرفي من كبر السن، تعالي معايا بالذوق أحسن ما أتصرف تصرف مش هيعجب حد!
أحمد ما استحملش، وبحركة واحدة زي الأسد زق إبراهيم بعيد عن السلم، وخبط ضهره في العمود الإستانلس إيدك متلمسهاش! الست دي في حمايتي وحماية أمي! إنت فاكرنا العيال الصغيرة اللي كنت بتستقوى عليهم وإحنا بنعيط وبنبوس على إيدك وإيدها ترحمونا؟! أنا دلوقتي راجل، وعندي من الصحة والرجولة اللي تخليني أدفنك مطرحك لو فكرت بس تبص للمحل ده بنظرة طمع!
إبراهيم اتعدل وهو بينهج، الحقد والغل عمى عينيه، وبصلي وبص للمحل كله وهو بيزعق بهيستيريا المحل ده بتاعنا! الفلوس دي فلوس أخويا، حق العيلة! إنتي سرقتي دهب أمي وسرقتي ورث العيال عشان تفتحي بيه المشروع ده! مش هسيبكم تتهنوا بيه، هرفع عليكم قواضي وأقلب عيشتكم طين وأشردكم من تاني! والله لادخلكم السجن كلكم يا غدارين!
هنا، حماتي اتحركت، مشيت خطوات بطيئة لكن ثابتة لحد ما وقفت بين إبراهيم وبيني، بصت في عين ابنها بجمود تام، ومدت إيدها الضعيفة وضربته كف على وشه صوت الكف رن في سكات المحل كله.
إبراهيم حط إيده على خده وهو مبرق ومش مصدق بتمدي إيدك عليا عشان دول؟!
حماتي اتكلمت بصوت طالع من قاع الحزن والقهر أمد إيدي وأقطع لسانك كمان! ورث مين يا واطي؟! ودهب مين اللي بتتكلم عنه؟! المحل ده مبني بعرق لحم الست الشريفة دي، اللي باعت حلقان بناتها عشان تأجر أوضة تستر فيها عيال المرحوم! دهب مين وأنا كنت بكنس الشقة وراها عشان ملقيش فيها فتافيت عيش تاكلها؟! المحل ده رزق ربنا للأيتام اللي أنا وإنت تجبرنا عليهم ورميناهم للكلاب، لكن ربنا كان أرحم بيهم مننا. إنت مش ابني، ولا أعرفك، ولا ليك مليم هنا ولا في بيت أبوك، واللقمة اللي باكلها هنا دي كرم وجود من لحم نضيف، مش من غدرك وقسوتك!
الناس اللي في الشارع والمحل بدأوا يهللوا حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا قليل الأصل! ارموه برة المحل، ده واد جاحد ملوش أمان! اطلع برة يا واطي، روح لأمك اللي شردتها جاي دلوقتي تطمع في رزق الأيتام؟!
إبراهيم لقى الدنيا بتضيق عليه، وكل العيون بتنهش فيه بغضب، رجع لورا بضهره وهو بيشتم ويلعن في الهوا، مسك نضارته المكسورة وزعق بصوت مهزوز قبل ما يجري على التوكتوك مش هسيبكم والله ما هسيبكم! مسيركم تقعوا في إيدي!
ركب التوكتوك وجري وسط صياح الناس وتفالهم في سكته، وانتهت الزفة اللي كان فاكر إنه هيرعبنا بيها.
المحل هدي، بس الهوا كان لسه تقيل. بصيت لحماتي، كانت واقفة بتنهج، ورجلها خانتها فجأة وكانت هتقع على الأرض. جريت عليها أنا وأحمد في نفس اللحظة، مسكناها من تحت دراعاتها وسندناها لحد ما قعدناها على أقرب كرسي.
جبتلها كوباية مية بسكر، شربت منها بق، وبعدين رفعت راسها وبصت لأحمد، مسكت إيده الباردة الخشنة من الشغل، وضمتها بين إيديها الاتنين الدايبين، وعينيها بتفيض بالدموع سامحني يا ضنايا سامح ستك اللي عميت عينيها الدنيا وظلمتكم. ده أنا كنت هموت من غير ما أشوف العدل بعيني، حقكم جه لحد عندي وكسرني، بس كسرني بالحق. ربنا يحميك لأمك وأخواتك، إنت الراجل اللي أبوك كان يتمناه.
أحمد فضل باصص لإيدها اللي ماسكة إيده، عيونه لمعت بدمعة حارة نزلت غصب عنه، مرار السنين كله اتبخر في اللحظة دي لما شافها بتنتصر للحق وبتضرب ابنها عشانهم. وطى براسه بهدوء، وباس راسها من فوق الطرحة
تم نسخ الرابط