روحت اعمل ميكب للعروسة لقيتها في شقتي والعريس طلع جوزي
المحتويات
متثبتة عليا أنا، وكأنه بيشوف ملك الموت واقف مستنيه. حسيت بكل خلية في جسمي بتغلي، بس في نفس الوقت في هدوء مخيف مسيطر عليا، هدوء المنتصر اللي بيشوف عدوه بيغرق قدامه بالبطيء ومش محتاج حتى يرميله طوق نجاة.
هو أحمد ماله يا طنط؟ ماله متنح كده؟
سمر سألت مامتها وهي بتضحك وبتبص لأحمد بدلع، فمامت سمر ردت وهي بتعدل طرحتها
اتخبل بجمالك يا بت! الفرحة مش سايعاه يا عيني، ارقيه يا بنتي العين وحشة.
أحمد حاول يبتسم، بس طلعت منه حركة غريبة في شفايفه كأنها شلل، وبعد نفسه عن سمر ببطء وهو بيقول بصوت مهزوز
اه.. طبعاً.. طالعة زي القمر يا سمر.. ما شاء الله.
سمر لفت ليا وقالت
حسابك كام بقى يا قمر عشان أحمد يحاسبك قبل ما ننزل؟ الموكب مستني تحت، والعربيات بتزمر من بدري في الشارع.
هنا أحمد رفع إيده بسرعة رهيبة وطلع محفظته وهو بيرتعش، مسك رزمة فلوس كاملة من غير حتى ما يعدها ومدها ليا
خدي يا نادين، خدي كل اللي إنتِ عايزاه، أي مبلغ تطلبيه.. حقك وزيادة، شكراً جداً ليكي.
بصيت للفلوس اللي في إيده، نفس الفلوس اللي كان بيتحجج إنه مش معاه ربعها عشان نجدد عفش شقتنا، نفس الفلوس اللي كان بيقصر بيها في مصاريف البيت بحجة إن الدنيا واقفة والمقاولات خسرانة. سحبت إيدي لورا ورفضت ألمسها، وبصيت له بثبات
شيل فلوسك يا عريس، الحساب مش فلوس خالص، الحساب لسه كبير أوي ولسه ما اتقفلش. دي هديتي لسمر بمناسبة اليوم ده.. ومناسبات تانية كتير أحمد عارفها كويس.
سمر بصت باستغراب
مناسبات إيه يا نادين؟
أحمد اتدخل بسرعة وصوته عالي ومليان توتر مش طبيعي، مسك إيد سمر بعنف خفيف
يلا يا سمر، هنتأخر على القاعة، المعازيم وصلوا، يلا ننزل بسرعة!
بالراحة يا أحمد مالك مستعجل كده ليه؟ حتى مستناش نشرب حاجة وناخد صور هنا في الصالة جنب صورتنا الكبيرة؟
سمر قالت كده وهي مستغربة لهوجته، فبصيت ليها وقولت بكل هدوء
سيبيه براحته يا عروسة، أصل العريس دايماً وراه شغل مستعجل ولازم يسافر، وعنده مواعيد طارئة بتطلع فجأة في نفس اليوم ده من كل سنة.. صح يا أحمد؟ مش النهاردة برضه ذكرى اليوم اللي اتعرفتوا فيه؟
أحمد وشه احتقن وبقى لونه أحمر داكن، حس إن الأرض بتتهز تحته، وقال وهو بيحاول يجر سمر للباب
بعدين.. بعدين يا سمر، يلا يا جماعة عشان نلحق.
في اللحظة دي، قررت إني مش هعمل خناقة ولا هصوت ولا هقطع هدومي زي ما كان متوقع. الألم اللي جوة قلبي كان أكبر بكتير من إني أفرغه في شوية صريخ يخليه هو الضحية وأنا المجنونة. بالعكس، أنا عايزة الوجع يفضل ينهش فيه بالبطيء، دقيقة بدقيقة.
طلعت مفاتيح الشقة الأصلية من شنطتي، المفاتيح القديمة اللي عليها ميدالية فضة مكتوب عليها أول حرف من اسمي واسم بابا الله يرحمه. حطيت المفاتيح على الترابيزة اللي جنب الباب برنة عالية خلت الكل يلتفت للصوت.
إيه ده يا نادين؟ نسيتي مفاتيحك؟
سمر سألت ببراءة، فبصيت في عيون أحمد مباشرة وقولت
لأ يا حبيبتي، دي مفاتيح الشقة دي، الشقة اللي كتبهالي أبويا باسمي قبل ما يموت، واللي أحمد بقاله سنين بيقولي إنه مأجرها لناس غرب عشان نسدد ديونه. قولت أسيب المفاتيح عشان يمكن العريس يحتاجها بعد الفرح.. ده لو كان في فرح هيكمل أصلاً.
السكوت خيم على المكان كله فجأة. الزغاريد وقفت، الضحك طار، ومامت سمر بصت لأحمد بذهول وقالت بصوت خايف
شقة مين دي يا أحمد؟! إنت مش قايلي إن الشقة دي ملكك ودافع فيها دم قلبك وجايبها تمليك لعروستك؟ ومين دي أصلاً اللي بتتكلم بثقة كده؟!
أحمد عرق جبينه كان بينزل زي المطر، ولسانه اتلجم تماماً، بيبصلي وكأنه بيترجاني أقتله بس مكملش. سمر بدأت عينيها تدمع من غير ما تفهم، بصت لأحمد وبصتلي
في إيه يا أحمد؟ مين الست دي؟ وإنت مش قولتلي إن دي واحدة صاحبتك ميك أب آرتست بس؟
أخدت شنطة المكياج بتاعتي على كتفي، ووقفت عند عتبة الباب، بصيت لأحمد بنظرة أخيرة كلها احتقار وقسوة مكنتش أعرف إنها موجودة جوايا، وقولت بصوت واطي بس كل الصالة سمعته بوضوح
أحمد ما قالكيش الحقيقة كاملة يا سمر.. أنا مش صاحبته، أنا مراته اللي عايشة معاه في بيت واحد بقالنا خمس سنين، والنهاردة عيد ميلادي اللي قالي الصبح إنه مسافر يشتغل عشان يعوضني عنه.. مبروك عليكي الراجل اللي بنى فرحته على أنقاض عمري وشقتي.
لفيت ضهري وخرجت للسلم، وسبت ورايا صوت صرخة سمر، وذهول أهلها، وجنون أحمد اللي بدأ يصرخ باسمي وهو بيجري ورايا على السلم وسايب عروسته وبدلته وراه.. بس دي مكنتش النهاية، دي كانت مجرد بداية الحساب.
نزلت درجات السلم بخطوات ثابتة وسريعة، كعب جزمّتي كان بيعمل رنة عالية في المدخل الرخام، رنة بتعلن نهاية حكاية قديمة وبداية حساب ملوش آخر. ورايا كان صوت الجري بيتصاعد، وأحمد بينادي باسمي برعب وهو بينهج نادين! استني يا نادين، أرجوكي افهميني، اقفي بس دقيقة واحدة أفهّمك، والله العظيم إنتِ فاهمة الموضوع غلط خالص!
وقفت قبل ما أخرج من باب العمارة للشارع، ولفيت له ببطء شديد. كان منظره يوجع القلب من كتر الشفقة والمهانة؛ رابطة العنق بتاعته مفكوكة على جنب، قميصه الأبيض متبهدل، وبوكيه الورد الأبيض رماه على درجات السلم وداست عليه رجليه وهو بيجري ورايا. وشه كان شاحب كأنه ميت طالع من قبره.
فاهمة غلط إيه يا أحمد؟ الشقة شقتي، ولا العروسة عروستك، ولا اليوم ده هو عيد ميلادي؟ قولي حاجة واحدة بس أنا فهمتها غلط من المشهد الرخيص اللي كنت لسه شايفاه بعيني فوق؟ سألته بصوت واطي جداً بس النبرة كانت حادة زي الموس، عينيا في عينيه ومفيش فيهم دمعة واحدة.
قرب مني وهو بيمد إيديه بيترجاني، صوابعه كانت بتترعش بطريقة تفضح ضعفه نادين، اسمعيني.. سمر دي كانت مجرد صفقة، باباها مقاول كبير وعنده مشاريع بملايين، وأنا كنت غرقان في ديون وخساير إنتِ ماتعرفيش عنها حاجة.. كنت هكتب عليها وأخلص مصلحتي وأطلع بقرشين يرفعونا لفوق، والله ما حبيت حد غيرك، إنتِ مراتي وحبيبتي وأم عيالي اللي كنت مستنيهم!
ضحكت.. ضحكة سخرية طلعت من قاع قلبي وصدت في مدخل العمارة أم عيالك؟! ده إنت بقالك سنتين تقولي ناجل الخلفة عشان الدنيا ضيقة والظروف مش سامحة، وأتاريك بتجهز عشك التاني بفلوسي وشقتي! صفقة؟ تسرق شقة أمي اللي كتبتهالي قبل ما تموت، وتوهمني إنك مأجرها بملاليم وبناخد الإيجار نصرفه على علاجك ومشاريعك الفاشلة، عشان تيجي تفرشها لغيري وتعيش فيها دور البيه المقاول؟ إنت مش بس خاين، إنت نصاب وحرامي يا أحمد.
في اللحظة دي، سمعنا دوشة فوق على السلم، مامت سمر كانت نازلة وهي بتزعق بصوت يملى الشارع، وخال سمر وراها، وسمر ماسكة ديل الفستان ومنهارة من العياط. يا نصاب يا واطي! بقا جاي تضحك على بنتي وتقولها أنا مليونير والشقة دي تمليك من حر مالي؟ مرار طافح يطين عيشتك! والله لأفضحك وأوديك في ستين داهية وأعملك محضر في القسم دلوقتي!
أحمد لف وشه ناحيتهم برعب وبقى محتار
متابعة القراءة