روحت اعمل ميكب للعروسة لقيتها في شقتي والعريس طلع جوزي
يبصلي ولا يبصلهم، زي الفار اللي اتحبس في مصيدة من كل اتجاه. انتهزت اللحظة دي وخرجت للشارع. الشارع كان مليان عربيات المعازيم، زينات، وناس مستنية تزف العريس، لكن العريس كان جوة بيتفضح وأنا كنت خارجة برة كابوسه تماماً.
ركبت تاكسي، وأول ما الباب اتقفل، حسيت فجأة ببرد قارص بيهز عظامي. قولت للسواق اطلع على الدقي، لو سمحت.
طول الطريق، التليفون مابطلش رن، أحمد بيرن، رسايل بتنزل ورا بعضها نادين أنا آسف، هعملك كل اللي عايزاه، همسحها من حياتي، متخربيش بيتنا، تعالي نلم الموضوع قبل ما أهلي يعرفوا، ردي عليا أرجوكي. قفلت التليفون تماماً، رميته في قاع الشنطة، وبصيت من شباك العربية على شوارع القاهرة والأنوار اللي بتجري ورا بعضها. افتكرت أول يوم اتقابلنا فيه، لما جه اتقدملي وكان لابس قميص بسيط ومعهوش حتى تمن شبكة معتبرة، ووقفت قصاد أهلي كلهم وقولت راجل محترم وهيصوني، الفلوس بتروح وتيجي. خمس سنين كنت بصحى قبله أعمله فطاره، اشتغل صبح وليل عشان اساعد في مصاريف البيت، ابيع دهبي حتة ورا حتة بحجة أزمة الشغل اللي عمرها ما خلصت، وأتاريه كان بيلم الفلوس دي عشان يشتري بيها سلاسل دهب وأطقم لغيري في نفس اليوم اللي اتجوزنا فيه.
وصلت بيت أهلي، فتحتلي أختي نهى، أول ما شافت وشي اتخضت نادين! مالك يا بنتي؟ وشك عامل كده ليه؟ هو مش أحمد قال مسافر؟
دخلت وقفلت الباب، وقعدت على الكنبة، ومسكت كوباية المية اللي جابتها نهى وشربتها على بؤ واحد. حكيت ليها كل حاجة من أول ما جالي أوردر الميك أب لغاية ما نزلت من العمارة وسبته في قبضة أهل العروسة. نهى وقفت مصدومة وبتخبط على صدرها يا نهار أسود ومنيل! أحمد يعمل كده؟! الواطي الخسيس اللي كنا بنشيله فوق راسنا؟ والله ما نسيبه، إحنا نكلم عمك ونجيب حقك بالقانون ومن غير القانون!
لا يا نهى، بالقانون بس.. ومفيش دوشة، الهدوء هو اللي هيكسره، أحمد جبان، وأنا هعرف أوجعه في أكتر حاجة بيحبها.. مصلحته وفلوسه.
الساعة كانت معدية تلاتة الفجر، اتصلت بأستاذ عاصم، المحامي اللي كان صديق والدي الله يرحمه وماسك كل أوراق عيلتنا. حكيتله الموضوع باختصار شديد، صوته كان هادي وفاهم متقلقيش يا نادين، الشقة عقدها الأصلي وصحته ونفاذه مسجلين باسمك في الشهر العقاري من سنين، وجوده فيها أو تزويره لأي ورق عقد إيجار أو بيع وهمي دي جناية توديه ورا الشمس. ثانياً، الدهب اللي بعتيه، إنتِ محتفظة بفواتيره اللي كانت باسمك ولا لأ؟ أيوة يا أستاذ عاصم، كل الفواتير القديمة معايا في علبة الأوراق اللي في البيت. عظيم، بكرة الصبح تكوني عندي في المكتب، ونبدأ أول خطوة.
تاني يوم الصبح، مكنتش قادرة أنام ولا دقيقة، بس الغريب إني مكنتش حاسة بضعف، كان في قوة غريبة متولدة من الوجع. لبست ونزلت لمكتب المحامي. وأنا قاعدة قدامه، بدأ يجهز كل الدعاوي دعوة طرد للغاصب من الشقة واستردادها فوراً بقوة القانون، بلاغ بالاحتيال واستغلال توكيل قديم كان معايا وهو لغاه بدون علمي لتأجير الشقة، وقضية طلاق للضرر مع المطالبة بكامل حقوقي الشرعية من مؤخر ونفقة ومتعة وقايمة المنقولات كاملة.
وأنا لسه في مكتب المحامي، الباب
خبط ودخل أحمد زي المجنون. أتاريه كان مراقب بيت أهلي وعرف إني جيت هنا. دخل وهو مبهدل تماماً، عينيه حمرا ومنمتش من يومين، لحيته طالعة ومش مهندمة. نادين.. أرجوكي، متعمليش فيا كده، إنتِ عايزة تدمريني؟ سمر وأهلها عملولي محضر نصب وفسخوا الخطوبة والشارع كله عرف، شغلي في الشركة واقف، لو رفعتي القضايا دي أنا هتحبس، والله هتحبس يا نادين!
أستاذ عاصم وقف بحزم ورفع إيده اتفضل برة يا أستاذ أحمد، ده مكتب محاماة مش ساحة خناق، وموكلتي مفيش بينك وبينها أي كلام إلا عن طريقي.
أحمد مكنش سامع المحامي، بصلي وعينيه بتدمع بدموع تماسيح حقيرة نادين، خمس سنين عشرة يتهدوا في لحظة عشان غلطة؟ أنا شيطان دخل بيننا وغواني، بس والله بحبك، هبيع هدومي وأعوضك عن كل قرش، هكتبلك الشقة وكل اللي ورايا، بس اديني فرصة تانية.
بصيت له بكل جمود، وقفت ولميت شنطتي من على المكتب، ووقفت قدامه على مسافة قريبة، عيني في عينه خمس سنين عشرة إنت اللي بعتهم برخص التراب في ليلة عيد ميلادي يا أحمد. كنت بتكذب عليا وإنت بتبص في عيني الصبح وتبوس جبيني، كنت بتسرق شقة أمي اللي دافعة فيها دم قلبها عشان تفرح بيا، ورايح تفرشها لواحدة تانية وتتفق معاها على جوازة باسمي ومستقبلي. الغلطة مش إنك شيطان، الغلطة إني أنا اللي كنت معمية وشايفاك راجل.
نادين.. متقسيش عليا، أنا ماليش غيرك! كان زمان يا أحمد. دلوقتي بيني وبينك المحاكم والبوليس. ويلا اتفضل اخرج من هنا، عشان ريحة الخيانة بقت خنقاني.
أستاذ عاصم نادى على أمن العمارة، وأحمد خرج وهو بيزعق ويهدد وبعدين يرجع يترجى وينهار في الطرقة برة زي العيل الصغير اللي انكشفت سرقته.
الأيام اللي بعدها كانت عبارة عن معركة سريعة ومحسومة. أحمد اكتشف إن كل أوراقه كانت ضعيفة وإنه محاصر من كل الجبهات. أهل سمر مسبوهوش، ضغطوا عليه بكل معارفهم ورجعوا منه الشبكة والمؤخر وكل قرش صرفوه على تجهيز الشقة بالمليم، ورفعوا عليه قضايا تبديد ونصب. وأنا؟ مكنتش متساهلة في ولا حق من حقوقي.
بعد تلات أسابيع، جه تنفيذ حكم تسليم الشقة ليا بالقوة الجبرية لو لزم الأمر. روحت مع قوة من القسم والمحامي بتاعي عشان أستلم شقتي. أول ما دخلت، لقيت العفش اللي سمر كانت جايباه بيتشال في عربيات نقل، والشقة رجعت عريانة على البلاط، أحمد كان واقف في ركن في الصالة، سانده واحد من صحابه، شكله كان مكسور ومتبهدل، مش هو ده الشاب الأنيق اللي كان داخل ببدلة الفرح وبوكيه الورد.
قرب مني لما شافني داخلة، وصوته كان ميت خالص ارتحتي كده يا نادين؟ خربتي بيتي، وخسرت كل حاجة.. الشركة طردتني، وسمر فضحتني، والناس كلها بتبصلي كأني حشرة.
وقفت في نص الصالة، بصيت للسقف والحيطان اللي شافت كذبه وخيانته، ورديت عليه بصوت واضح وقوي بيتك إنت اللي خربته بإيدك يا أحمد يوم ما فكرت تبنيه على حساب كرامتي ووجعي. الشقة دي كانت حلم أمي ليا، ورجعتلي. والوجع اللي إنت عايشه النهاردة مبيجيش نقطة في بحر الكسرة اللي حسيتها وأنا واقفة بعمل ميك أب لعروسة بتتجوز جوزي في شقتي.
سلمني الضابط محضر الاستلام الرسمي، وطلعت أوراق الطلاق اللي أستاذ عاصم خلصها على يد مأذون رسمي بعد ما أحمد اضطر يوقع على كل التنازلات عشان نسحب قضايا الحبس عنه ونسيبه يواجه ديونه لوحده.
مسكت ورقة الطلاق، بصيت فيها كويس، حسيت إنها مش مجرد ورقة، دي كانت شهادة ميلاد تانية ليا. رميتله قلمه اللي كان ناسيه على الأرض، وقولتله الباب يفوت جمل يا أحمد.. برا، الشقة دي مطهرة من أي خاين زيك من اللحظة دي.
خرج أحمد وهو بيجر رجليه في الأرض، مش باصص في وش حد من الجيران اللي كانوا واقفين في المدخل بيتفرجوا عليه
وعلى خيبته. قفلت باب الشقة وراهم، وقفت في الصالة الفاضية، الصدى كان بيتردد في الأوض، بس المكان كان هادي.. هدوء نظيف ومريح.
قعدت على الأرض، ودموعي نزلت أخيراً. بس مكانتش دموع حزن ولا قهر، كانت دموع خلاص وتطهير من خمس سنين من الكذب والغفلة. فتحت الشباك الكبير بتاع الصالة، الهوا النضيف دخل ملى الشقة، والشمس نورت الزوايا اللي كانت عتمة. طلعت تليفوني، وشغلت النمرة الجديدة بتاعتي، وفتحت صفحتي في الشغل ونزلت بوست صغير بداية جديدة.. في مكاني الجديد، بعيداً عن أي مزيفين. شغلي هيبدأ من هنا، من بيتي الحقيقي.
الناس فكروا إن الحكاية خلصت يوم ما اتفضحت الخيانة، بس الحقيقة إن حياتي هي اللي بدأت في اليوم ده. اتعلمت إن الضربة اللي متكسرش الضهر بتقويه، وإن الست اللي تعرف تقف على رجليها وتواجه في عز صدمتها، مستحيل يكسرها راجل أناني اختار يبيع كل حاجة عشان سراب. قفلت ورايا باب الماضي بالمفتاح، والمرة دي، المفتاح هيفضل في إيدي أنا وبس، ومفيش خاين هيدخل حياتي تاني أبداً.