بيتي مش تكية
المحتويات
إني مش البنت الطيبة اللي كان بيسكتها بكلمتين.
فتحت باب الشقة على آخره، وشاورت بإيدي لبرة، بس قبل ما أقولهم يخرجوا، سمعت خبطة تقيلة على الباب من برة، وصوت مفاتيح بتدخل في الكالون... صوت مكنش بتاع حد من العيلة، صوت فجأة خلى وش حماتي يصفر، وبناتها يرجعوا لورا بخطوات سريعة وملامح مړعوپة!
الفصل الثاني كروت مكشوفة
صوت المفتاح وهو بيلف في الكالون كان تقيل، والباب اتفتح ببطء وصوت صرير خلى الصالة كلها تتجمد مكانها. دخل راجل طويل، لابس بدلة رمادية مكوِية بعناية، شعره أبيض شوية من الجناب، وفي إيده شنطة جلد سودة ضخمة. ملامحه كانت صارمة، وعيونه فيها نظرة فاحصة بتمسح المكان حتة حتة، كأنه داخل مسرح چريمة مش صالة شقة عادية.
أول ما عينه جت على حماتي، وشها اتخطف تماماً، لدرجة إن الشال الأبيض اللي كان على كتفها فلت ووقع على الأرض، ومحدش من بناتها فكر حتى يوطي يجيبه.
عمي فاروق؟!
الكلمة دي طلعت من بؤ هشام بصوت راعش ومكتوم، كأنه شاف شبح واقف قدامه.
فاروق يبقى أخو حمايا الكبير، كبير العيلة بجد، الراجل اللي حمايا الله يرحمه كان بيعمله ألف حساب ومبيقطعش أمر إلا بشوره. تاجر الدهب القديم اللي كلمته في الصاغة وفي العيلة زي السيف، ومحدش يجرؤ يكسرله أمر. ومن يوم ما حمايا ماټ، محدش شافه غير في تالت يوم عزا، لما جه ووزع وصايا ومشِي بهدوء، ومن ساعتها ومحدش يعرف هو فين ولا بيعمل إيه.
عمي فاروق قفل الباب وراه بهدوء تام، وحط السلسلة في مكانها، وبعدين خطى خطوتين لجوة الصالة. بص للكل، من نجلاء اللي وشها اصفر وبقت بتفرك في إيديها، لدعاء وهند اللي رجعوا لورا ورا ضهر أمهم، لحد ما عينه وقعت عليا.
شافني واقفة وابني عمال يعيط على كتفي، سخن ووشه أحمر، وعيني غرقانة دموع مقهورة. ملامحه لانت ثانية واحدة، وهز راسه ليا بحزن، وبعدين رجع بص لهشام بنظرة خلت جوزي يتراجع خطوة لورا ويبلع ريقه بصعوبة.
مساء الخير يا أم هشام.. مساء الخير يا بنات.. صوته كان هادي وواطي، بس رزانته كانت بتدب في الحيطان. سحب كرسي من بتوع السفرة بهدوء، قعد عليه، وحط شنطته على رجليه، وبصلهم وقال خير إن شاء الله؟ مجمعين مجلس الشورى بالليل كده ليه؟ وصوتكم كان جايب أول الشارع، وأنا طالع على السلم سامع المحاكمات والټهديد بالورقة والطلاق والرمي في الشارع. هو ده الأصول اللي أخويا المرحوم
رباكم عليها؟
حماتي حاولت تلحق نفسها بسرعة، قلبت ملامحها في ثانية لمسكنة، وقالت بصوت مكسور وهي بتسند على ترابيزة الأنتريه يا أخويا يا فاروق.. أصلك متعرفش الڼار اللي أنا فيها! مرات ابنك مش طيقاني في البيت، وطارداني، وعايزة تحرمني من بناتي وأحفادي، وبتقول بيتي مش تكية! أنا بعد ما عشت معززة مكرمة في بيت أخوك، أجي هنا أتهان وأتذل عشان لقمة؟
نجلاء دخلت وراها بسرعة بصوتها المزعج، كأنها بتلحق الڼار قبل ما تنطفي أيوة يا عمي! وأنت عارف أمنا ست مريضة ومبتستحملش الكلمة! الست هانم كل يوم تسمعها كلام يسم البدن، وكمان عايزانا ندفع فلوس عشان نيجي نشوف أمنا! ده يرضي مين في شرع ربنا؟ هشام كان بياخد حق أمه، وهي واقفة تتحدانا كلنا في وشنا!
عمي فاروق مرفعش حاجبه حتى، ولا اتعصب، ولا رد بكلمة واحدة من اللي كان مستنيينها. فتح سوستة الشنطة الجلد ببطء رهيب، وطلع منها ملف أزرق بلاستيك، وحطه على الترابيزة قدامه. خبط عليه بإيده خبطتين، وقال وهو باصص لنجلاء أنتِ يا نجلاء.. عيالك تلاتة، أسامي وأعمار؟
نجلاء برقت بدهشة، وبصت لأمها وهي مش فاهمة السؤال عيالي أنا يا عمي؟ مالهم عيالي؟ عمر ومريم وزياد.. ست سنين وتمن سنين وعشر سنين..
وحضرتك بتشتغلي في الإدارة التعليمية، وجوزك مهندس في شركة مقاولات، صح؟ أيوة يا عمي، بس إيه دخل ده ب...
قاطعها بحركة بسيطة من صباعه خلتها تخرس تماماً، وبعدين لف وشه لدعاء وأنتِ يا دعاء.. جوزك فاتح معرض عربيات مستعملة، ومعندكيش شغلانة، وعيالك الاتنين بياخدوا دروس خصوصية لحد الساعة تمانية بالليل، صح؟
دعاء وشها بقى أبيض زي الطباشير، وهزت راسها من غير ما تنطق.
عمي فاروق رجع ضهره لورا، وبص لحماتي وقال بنبرة تقطر برود أنا بقالي شهر كامل بتابع اللي بيحصل في البيت ده يا فايزة. من يوم ما جيتي هنا، وأنا على تواصل مع ناس في العمارة، وبواب الشارع، وحتى الصيدلي اللي بيجيبلك العلاج. مش عشان أراقبك.. لأ، عشان أخويا المرحوم وصاني عليكي وعلى هشام قبل ما ېموت بيومين، وقالي يا فاروق
فايزة وبناتها ملهمش أمان على هشام، وهشام غلبان وهياكلوه لحم ويرموه عضم!
هشام فتح بؤه پصدمة، وبص لعمه وقال أبويا قال كده يا عمي؟!
أبوك قال أكتر من كده بكتير! عمي فاروق زعق بالكلمة دي زعيق رج الصالة، وقام وقف طوله، فجأة هيبته ملت المكان، ومبقاش فيه غير صوته اللي عامل زي الرعد أبوك كان عارف إن بناته الخمسة متجوزين ومعاهم رجالة، وكل واحدة فيهم قاعدة في شقة ملك، ومفيش واحدة فيهم كلفة نفسها تاخد أمها يومين في الأسبوع ترتاح عندها! كنتوا فين لما أمكم كانت بټعيط بعد العزا؟ كنتوا فين لما كانت قاعدة لوحدها في الشقة الأوضة وصالة؟ ولا واحدة فيكم قالت تعالي عندي يا أمي وريحي عضمك! رميتوها على هشام، وأول ما لقيتوا الشقة هنا واسعة ولقيتوا البنت الغلبانة دي شايلة وساكتة، عملتوها خدامة ليكم ولعيالكم!
يا عمي إحنا مغلطناش... نجلاء حاولت تدافع، بس عمي فاروق قرب منها وخبط على الترابيزة خبطة هزت فناجين الشاي اخرسي خالص! متفتحيش بؤك ولا كلمة! أنتوا كنتوا بتيجوا كل يوم الصبح، ترموا العيال يتغذوا ويتفطروا ويتغدوا، ويشربوا عصير، ويوسخوا، ويكسروا، وأمهم دي لا هي شايلاهم ولا بتربيهم، اللي شايل البنت دي، مع عيلها اللي في إيدها!
بص عليا، وأنا دموعي كانت بتنزل على خدي بس مش دموع ضعف، كانت دموع ارتاح فيها قلبي بعد ما حسيت إن ربنا بعتلي حقي لحد عندي.
البنت دي، عمي فاروق كمل وهو بيشاور عليا، بنت ناس ومتربية، استحملت اللي مفيش واحدة فيكم تستحمله أسبوع واحد من سلايفها! سنة كاملة، بتصرف من دهبها ومن فلوس أبوها عشان تكفي أكل عيالكم، بعد ما هشام كان مرتبه بيخلص في أول عشرة أيام من كتر المصاريف اللي أمكم بتطلبها عشان توزعها عليكم!
الكلام ده كان جديد عليا! بصيت لهشام وأنا مذهولة فلوس إيه اللي بتوزعها عليهم؟!
هشام نكس راسه في الأرض ومكنش قادر يحط عينه في عيني، وعمي فاروق ضحك بسخرية مرة متعرفيش يا بنتي؟ هشام بيه المحترم كان بياخد سلفة من الشركة بضمان مرتبه، ويديه لأمه
بحجة إنها بتعمل جمعيات وتشتري أدوية، والست الوالدة كانت بتدي الفلوس لنجلاء عشان تدفع أقساط عربية جوزها، وبتساعد دعاء في مصاريف ولادها، وهند واخدة منها الشهر اللي فات تمن تلاجة جديدة! وكل ده من عرق أخوهم الغبي اللي ماشي وراهم ومصدق إنه بار بأمه!
حماتي بدأت تصوت وتلطم على وشها تمثيل يا فضيحتي! يا خړاب بيتي! بقى بتراقبني يا فاروق وبتفضحني قدام الغريبة؟ هو ده ستر الأهل؟ بقى أنا فايزة اللي عشت طول عمري بشرفي، تيجي تتهمني إني باخد فلوس ابني لبناتي؟ ما هما بناتي برضه، وأخوهم سندهن في الدنيا!
سندهن يخرّب بيته؟! عمي فاروق فتح الملف الأزرق، وطلع منه ورق كتير متدبس، رماه على الترابيزة في وش هشام شوف يا باشمهندس.. شوف كشف حساب البنك، وشوف وصولات الأمانة اللي على أمك عشان بنتك الكبيرة نجلاء! أمك ماضية على كمبيالات عشان تساعدهم، ولما اتزنقوا، كانوا ناوين يبيعوا شقة أبوك القديمة عشان يسددوا، ومن وراك، وأنت هينزلوك تقعد مع أمك هناك عشان يغطوا على البيعة!
هشام مد إيده المرتعشة ومسك الورق، وعينه كانت بتتحرك بسرعة بين السطور، وشه اتحول من اللون الباهت للأحمر، وعروق رقبته نفرت أمي؟ أنتِ ماضية على وصولات بميتين ألف جنيه لنجلاء؟ وشقة أبويا كان ميعاد بيعها الأسبوع الجاي؟ عشان كده كنتوا بتقولولي انزل اقعد معاها هناك؟ عشان محدش ياخد باله؟
نجلاء ودعاء بصوا لبعض بړعب، ومحدش عرف ينطق. كل التهديدات اللي كانوا بيقولوهالي من شوية، كل الكبرياء والنفخة الكدابة اللي داخلين بيها عليا، دابت وبقت تراب في ثانية واحدة لما اتفضحت نيتهم الحقيقية.
هما مكنوش زعلانين على أمهم، ولا كانوا خايفين على كرامتها. هما كانوا بيستغلوا المشكلة اللي حصلت بيني وبين حماتي عشان يعملوا حركة خبيثة يضغطوا على هشام ينزل الشقة القديمة، ويخلوه يشيل الليلة لوحده، ومنها كمان يبيعوا الشقة وياخدوا تمنها ويسددوا ديونهم ويسيبوا هشام غرقان في الديون وفي خدمة أمه، وأنا وابني نترمي هنا على جنب ماليش أي لازمة في حساباتهم!
أنا اللي غلطانة.. صوتي طلع فجأة، هادي أوي، بس خلى
الكل يبصلي.
مسحت وش ابني بإيدي، ومشيت خطوتين لحد ما وقفت قدام هشام مباشرة. بصيت في عينيه اللي كانت مليانة انكسار وخزي.
أنا اللي غلطانة يا هشام، كملت وأنا بحط ابني على الكنبة بعد ما نام من التعب أنا اللي فتحت بيتي بقلب أبيض، وقولت أمك زي أمي. أنا اللي شيلت وخدمت وسهرت على علاجها، وأنت شايفني بدبل قدامك كل يوم ومقولتش كلمة تريحني. ويوم ما تعبت وجيت اشتكيلك، روحت سمعت كلامهم، وجاي تقول لي تبات تحت وتسيبني أنا وابنك؟ جاي تفرط فيا عشان اللي سرقوك وسرقوا تعبك؟
هشام مسك إيدي برعشة والله يا ندى ما كنت أعرف.. والله العظيم ما كنت فاهم حاجة، أنا كنت فاكر أمي مظلومة ومکسورة الخاطر...
سحبت إيدي من إيده بقوة كنت فاكر ولا مكنتش عايز تشوف؟ كنت مريح دماغك عشان متصدعش، وسايبني أنا أتحرق في الڼار دي كلها! بس خلاص.. لحد هنا والمهازل دي تقف.
بصيت لحماتي اللي كانت قاعدة حاطة راسها بين إيديها وعمالة تنوح، ولبناتها اللي بقوا واقفين كأن على روسهم الطير أنتِ يا حماتي.. بيتك وأوضتك اللي كنتي قاعدة فيها، تفضلي فيها بكرامتك، ده لو كان لسه ليكي عين تقعدي بعد اللي سمعتيه. بس من اللحظة دي خط رجل عيل من العيال دي ميدخلش عتبة بيتي! معنديش هنا حضانة لحد، ولا هعمل كباية شاي لواحدة فيهم، ولا هطبخ لقمة لحد غيري أنا وجوزي وابني! وبناتك دول، رجلهم متخطيش الشقة دي إلا لما يعرفوا أصول الأدب ويستأذنوا زي الغرب!
نجلاء اتعصبت فجأة وصړخت أنتِ هتطردينا من بيت أخونا يا بتاعة أنتِ؟! هشام، ساكتلها ليه؟ طلقها يا هشام ووريها قيمتها!
هشام مش هيطلق حد! عمي فاروق قطعها بصوت زلزل الصالة، وضړب بعصايته الخشب على الأرض هشام لو طلقها يبقى حمار رسمي وهيضيع نفسه بإيده! البنت دي هي الوحيدة اللي صايناك وصاينة عرضك وبيتك، وإنتوا الخمسة، من بكرة الصبح، الكمبيالات دي هتتسدد من جيوبكم وجيوب رجالتكم، مليم واحد مش هيطلع من جيب هشام! وشقة أبوكم القديمة، أنا اللي حاطط إيدي عليها
بصفتي وصي على تركة المرحوم، ومفيش طوبة فيها هتتباع!
حماتي رفعت راسها وصړخت باڼهيار يا فاروق متخربش على بناتي! رجالتهم لو عرفوا بالكمبيالات دي هيطلقوهم ويخربوا بيوتهم!
وما تخرب بيوتهم! عمي فاروق رد عليها بقسۏة هما لما جم يخربوا بيت ابنك ويبعدوه عن مراته وابنه الرضيع، فكروا في خړاب البيوت؟ لما كانوا
متابعة القراءة