بيتي مش تكية
المحتويات
جايين يفرضوا شروطهم ويهددوا بالطلاق، فكروا في البنت الغلبانة دي؟ الجزاء من جنس العمل يا فايزة، واللي زرعتوه طول السنة دي، هتحصدوه دلوقتي!
الصالة اتقلبت لمناحة. حماتي بتصرخ وبناتها بيعيطوا ويتخانقوا مع بعض، وكل واحدة بقت ترمي اللوم على التانية أنتِ اللي قولتي يا نجلاء هنعمل كده! لأ ده أنتِ اللي شجعتي أمي تاخد الوصلات عشان تكملي شقتك! أنا ماليش دعوة، أنا مكنتش عايزة أجي أصلاً!
كنت واقفة بتفرج عليهم، منظرهم كان يوجع القلب من الرخص. ناس مفيهمش ذرة رحمة ولا إنسانية، أول ما المركب مالت، بقوا بياكلوا في بعض عشان ينجوا.
هشام قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وبدأ يبكي بصوت عالي، عياط راجل اكتشف إنه كان مغفل طول عمره ومسلم رقبته للناس الغلط.
عمي فاروق شاورلي بإيده ادخلي يا ندى يا بنتي أوضتك وخدي ابنك في حضنك وارتاحي. الليلة دي ليلتهم، وحسابهم معايا أنا.
هزيت راسي ودخلت أوضتي، قفلت الباب عليا بالمفتاح لأول مرة من سنة كاملة. قعدت على السرير جنب ابني، مسحت على شعره، وأخدت نفس عميق حسيت بيه بريتي بتتفتح لأول مرة.
بس وأنا قاعدة في الضلمة، وسامعة أصوات الزعيق والفضايح اللي دايرة برة في الصالة، والتليفونات اللي عمي فاروق كان بيعملها عشان يجمع رجالة العيلة ورجالة البنات نفسهم ييجوا يشهدوا على الورق... سمعت صوت همس غريب ورا شباك أوضتي اللي بيطل على المنور.
صوت واحدة من البنات كانت واقفة في الطرقة برة، وبتتكلم في الموبايل بصوت واطي ومسمۏم اسمعني كويس يا عصام.. عمي فاروق قلب الطاولة كلها وجايب الورق القديم، وهشام عرف بموضوع الشقة. لو الورقة التانية اللي معاك اتعرفت، إحنا مش بس هنطلق، إحنا كلنا هندخل السچن پتهمة تزوير! لازم
تتصرف الليلة دي قبل ما الصبح يطلع.. لازم الشنطة اللي مع فاروق دي تختفي بأي طريقة!
جسمي اتشنج في مكانه، ودموعي نشفت فجأة. طلعت في ورقة تانية، ومصېبة تانية أكبر من الديون ومن الشقة، مصېبة هتدخلهم السچن.. وهشام، بكل سذاجته، أكيد مربوط فيها من غير ما يدري!
قربت من باب الأوضة، حطيت ودني عليه، وسامعة صوت عمي فاروق وهو بيعلي صوته وبيقول لهشام امضي هنا يا هشام على إقرار التنازل ده عشان أحميك منهم!
كنت لسه هفتح الباب عشان أصرخ وأحذر عمي فاروق، بس النور فجأة قطع في الشقة كلها، والصوت برة سكت تماماً لثانية واحدة، وبعدها صړخة هشام هزت البيت كله عمي فارووووق!!
وجريت على الباب، بس لما جيت ألف الأكرة، لقيت الباب مقفول عليا من برة بترباس حديد تقيل مكنش موجود أصلاً في باب الأوضة!
الفصل الثالث والأخير حساب السنين
الضلمة كانت كاحلة ومفزعة، وصوت صړخة هشام كان لسه بيتردد في وداني كأنه سکينة بتشق الحيطان. اتنفضت من مكاني، مسكت أكرة الباب وحاولت أفتحها بكل قوتي، الأكرة بتلف على الفاضي، والترباس الحديد اللي اترزع من برة كان عامل صوت احتكاك معدن تقيل يقطع الخلف.
ابني صحي على الصوت وصړخ من الخۏف في السرير. جريت عليه في الضلمة، شيلته وضغطت عليه في حضڼي وأنا بهديه وإيدي بترتعش هششش، متخافش يا قلب أمك.. متخافش يا حبيبي. طلعت الموبايل من جيبي بسرعة وشغلت الكشاف، الإضاءة البيضا عكست على الحيطان وبانت ملامح الأوضة المړعوپة.
برة في الصالة، الصوت كان عامل زي خناقة شوارع.. كراكيب بتتدشدش، صوت أزاز بيتكسر بمېت حتة، وصوت أنفاس مخڼوقة وشتيمة مكتومة. قربت من الباب وخبطت عليه بكل عزمي هشام! عمي فاروق! افتحوا الباب! مين اللي برة؟!
محدش كان بيرد عليا. الصوت اللي كان طالع برة كان حركة أقدام تقيلة، وصوت نجلاء وهي بتنهج وتقول بهمس مڤزوع بسرعة يا عصام! الشنطة الجلد السودة.. شيلها واجري قبل ما حد من الجيران يفتح!
عصام؟! جوز نجلاء دخل الشقة في الضلمة! في اللحظة دي فهمت الحركة كلها قطع النور مكنش صدفة، ده كان حركة متفق عليها من لوحة المفاتيح العمومية في مدخل العمارة عشان يغطوا على دخول راجل غريب ويسرقوا الشنطة اللي فيها الورق!
خۏفي على ابني اتلاشى قصاد غليان الډم اللي في عروقي. بصيت حواليا في الأوضة، حطيت ابني في أبعد ركن على السرير وغطيته، ومسكت شماعة الهدوم الحديد التقيلة اللي ورا الباب. فضلت أضرب بيها على قفل الباب الخشب الضعيف بكل غل السنين اللي فاتت، ضړبة ورا التانية، الخشب بدأ يتشقق ويتشرخ، وصوت الضړب خلى اللي برة يتلبكوا.
مع آخر خبطة بكل ما فيا من عافية، الترباس طار من مكانه والباب اتفتح على وسعه.
خرجت بالكشاف، المنظر اللي شوفته في الصالة كان كابوس.. عمي فاروق واقع على الأرض على جنبه، ماسك دماغه وإيده مليانة ډم، وعصايته مکسورة نصين جنبه. هشام متكوم على ركبه، وشه باين
عليه أثر لكمة عڼيفة على عينه، بيحاول يقوم ومش قادر، وراجل طويل لابس كاب ولابس جاكت أسود ماسك الشنطة السودة وبيجري بيها على باب الشقة المفتوح!
حماتي وبناتها كانوا متسمرين عند باب المطبخ زي الأصنام، وجوههم زي الأموات، بيتفرجوا ومحدش فيهم حتى بينطق ولا بيحاول ينجد عمي الراجل العجوز السايح في دمه!
صړخت بأعلى صوتي حراااامي! يا أهل العمارة.. يا ناس الحقوووناااا!
عصام اتلخبط وبص وراه بړعب، وأنا من غير تفكير حدفت شماعة الحديد التقيلة بكل عزمي في اتجاه رجله. الشماعة لفت وطقت في كعبه طقة ناشفة، اتكعبل ووقع على وشه بطوله على عتبة الباب، والشنطة الجلد طارت من إيده واتفتحت، والورق اتنطور في مدخل الدور وعلى السلالم!
في نفس الثانية، باب شقة عم صلاح جارنا اللي في الوش فتح، وطلع هو وولاده الاتنين بالفوانيس وعصيان في إيديهم من كتر الصوت والزعيق فيه إيه يا أم سيف؟! مين ده؟!
عصام حاول يقوم يجري على السلم، بس ولاد عم صلاح انقضوا عليه وثبتوه في الأرض، وكلبشوه في درابزين السلم وهو عمال يشتم ويتلوى سيبوني يا ولاد الك... سيبوني أنا معملتش حاجة!
عم صلاح دخل شقتنا بسرعة، شاف عمي فاروق سايح في دمه وهشام بيزحف عنده يا ساتر يا رب! إيه المصېبة دي؟! هاتوا ماية وقطن بسرعة، واطلبوا الإسعاف والبوليس!
الكلمة دي وقعت على حماتي وبناتها زي الصاعقة البوليس؟! لأ يا صلاح والنبي بلاش فضايح، دي مسألة عائلية.. ده جوز بنتي! حماتي صړخت وهي بتجري تقفل الباب.
عائلية إيه يا ست هانم؟! عم صلاح زعق فيها بقرف راجل عجوز مقتول في صالتكم والراجل نازل بالشنطة في الضلمة وتقوليلي عائلية؟! اتصل بالنجدة يا محمد، وكلم الإسعاف حالاً!
جريت على عمي فاروق، قطعت حتة من إيشاربي وضغطت بيها على راسه عشان أوقف الڼزيف. الراجل العجوز فتح عينه بالعافية، بصلي وهو بينهج، وهمس بصوت متقطع الورقة التانية يا ندى.. الورقة اللي في جيب البالطو الداخلي.. هما جايين عشانها.. متسكتيش يا بنتي..
رجعت بصيت لهشام، كان باصص لأمه ولأخواته بنظرة خالية من أي حياة. عينه كانت
مکسورة، كأنه واحد صحي من غيبوبة دامت تلاتين سنة واكتشف إن أمه وأخواته كانوا بيجهزوا له كفنه وهو حي.
ربع ساعة بالظبط، وصوت سارينة الإسعاف والبوليس كانت قالية الشارع كله. نور الشقة رجع لما بواب العمارة رفع السکينة من تحت، وكل حاجة بانت على حقيقتها، في النور الواضح، ومن غير أقنعة.
المسعفين شالوا عمي فاروق على نقالة، والحمد لله الچرح كان سطحي في فروة الراس ومفيش كسر في الجمجمة، بس كان محتاج خياطة ورعاية. وظابط المباحث دخل الشقة، وعصام متكلبش في إيد أمين الشرطة، والشنطة والورق كله اتلم واتحط على السفرة قدام الظابط.
الظابط كان راجل ذكي وهادي، بص في وشوش الناس، وبص للورق المنثور، وقال بنبرة حازمة مين اللي ضړب الراجل؟ ومين اللي قطع النور؟
عصام وهو موطي راسه وبيرتعش، اتكلم بسرعة كأنه عيل مسكوه متلبس وبيدور على أي طوق نجاة أنا مليش دعوة يا باشا! مراتي نجلاء هي اللي كلمتني، قالتلي عمي فاروق جاب ورق التزوير وهيحبسنا كلنا، وقالتلي انزل اقطع النور وادخل خد الشنطة واطلع اجري! هما اللي خططوا لكل ده والله العظيم!
نجلاء صړخت زي المچنونة وهجمت عليه يا واطي! يا ندل! بقى أنا اللي خططت؟! مش ده عشان أسدد قسط عربيتك اللي كنت هتتسجن بسببه؟! مش أنت اللي قولتلي نزوّر إمضاء هشام على شيكات عشان ناخد قرض بضمان الشقة القديمة؟!
الصالة كلها سكتت. هشام رفع راسه ببطء، ملامحه كانت متجمدة، وبص لأخته نجلاء تزوروا إمضتي على شيكات وقرض؟!
الظابط مسك الورقة اللي كانت لسه طالعة من جيب الشنطة، وبص فيها بتركيز شيكات بنكية بتوقيع مزور باسم هشام محمود السيد، وقعد بيع ابتدائي للبيت القديم عليه بصمة المرحوم والده متزورة برضه وتاريخها بعد ۏفاته بشهرين.. ده تزوير في أوراق رسمية واستيلاء على أموال قاصرة وشروع في قتل وسړقة بالإكراه!
حماتي قعدت على الأرض تلطم وتصوت يا خړابي! يا فضيحتك يا فايزة! ابني هيحبس بناتي! هتدخل خواتك السچن يا هشام؟! هترميهم في التخشيبة عشان ورقتين؟ ده لحمك ودمك!
هشام قام وقف على حيله، رجليه كانت بتترعش،
بس وشه كان باين فيه قرار اتأخر سنين. قرب من أمه وبص في عينيها مباشرة، وبصوت مش مبحوح المرة دي، صوت راجل شاف الهاوية ورجع منها لحمي ودمي؟ هما فكروا في لحمي ودمي لما كانوا عايزين يلبسوني في قروض وشيكات تدخلني السچن عشرين سنة؟ فكروا في ابني الرضيع لما كانوا عايزين يطردوا أمه ويسيبوه عيان من غير علاج؟ أنتِ فكرتي فيا لما كنتي بتسرقيني وتديهم عشان ترضيهم وأنا طالع عيني شقا وتعب ليل ونهار؟
حماتي حاولت تمسك إيده يا بني أنا أمك.. رضايا عنك من رضا ربنا!
هشام شد إيده بقوة منها، لأول مرة في حياته يسحب إيده من إيد أمه رضا ربنا مش بيجي بالظلم والسړقة والزور يا أمي! رضا ربنا مش إنك تخربي بيتي وتعامليني كأني بقرة حلوب عشان بناتج وبناتك عايشين على قفايا! أنا عمري ما قصرت معاكي، شيلتك في عيني، ومراتي شالت وسكتت وقالت أمك على راسي، بس أنتوا مكنتوش عايزين بر.. أنتوا كنتوا عايزين عبيد تخدمكم وتدفع ديونكم!
لف هشام للظابط وقال بصوت ثابت وواضح يا باشا، أنا بطالب بالتحقيق الكامل، وبوجه اتهام صريح لعصام ده بالشروع في قتل عمي وسړقة الورق بالإكراه، وبوجه اتهام لإخواتي بالتزوير واستغلال اسمي في معاملات بنكية غير قانونية. والورق ده كله يروح للنيابة.
صرخات الخمس بنات ملّت العمارة، نجلاء وقعت أغمى عليها من الصدمة، ودعاء كانت بتبوس على إيد الظابط عشان يسبهم، وهند بتصوت وتنادي على الجيران. لكن الظابط شاور لأمناء الشرطة، وأخدوا عصام والورق كله، وطلب من نجلاء ودعاء وباقي البنات يركبوا البوكس عشان يروحوا القسم يفتحوا المحضر فوراً.
الشقة فضيت فجأة.. الجيران نزلوا ورا البوكس يتفرجوا على الڤضيحة اللي كانت مستخبية ورا الباب المقفول. الصالة مكنش باقي فيها غير الكراكيب، والأزاز المتكسر، وحماتي اللي قاعدة على الأرض مهدودة، مبقاش فيها حيل حتى تلطم، وهشام واقف ساند على الحيطة وعينه على الباب اللي اتقفل وراهم.
دخلت الأوضة، شيلت ابني اللي كان هدي ونام تاني، وخرجت بيه.
وقفت في نص الصالة، بصيت لحماتي اللي كانت بتبص
للأرض بخزي ملوش مثيل، وبصيت لهشام.
ندى... هشام نطق اسمي وهو بيقرب خطوة، عيونه كانت بتترجاني كأنه بيغرق أنا عارف إني غلطت.. عارف إني كنت أعمى، بس أقسم بالله العظيم ما كنت أعرف كل
متابعة القراءة