صاحبتي وابنها المفقود بقلم حكايات رشا

لمحة نيوز

لكن لو واجهتها قدام الكل، ممكن تنفذ ټهديدها وتكشف السر القديم.
وفجأة، سمعت صوت خطوات ورايا.
لفيت، لقيت هبة واقفة على بُعد خطوتين، ووشها هادي بشكل مخيف.
قالت وهي بتبتسم ابتسامة مصطنعة
إيه يا سلمى؟ واقفة هنا ليه؟ مش كنتِ راجعة بيتك؟
بصتلها بعدم تصديق.
إنتِ لسه عندك الجرأة تتكلمي معايا كأن مفيش حاجة حصلت؟
ردت بصوت واطي
وطّي صوتك. إحنا مش ناقصين فضايح.
ضحكت بمرارة.
فضايح؟ إنتِ سړقتي طفل يا هبة! فيه أم بټعيط وبتدور عليه، وإنتِ واقفة بتتكلمي عن الڤضيحة!
ملامحها اتغيرت، وقربت مني.
أنا قلتلك اللي عندي. إنتِ لو اتكلمتي، أنا هتكلم.
همست لها
السر اللي بيني وبينك مالوش علاقة بالطفل.
ردت ببرود
بالنسبة لي، له علاقة بكل حاجة. إنتِ عايزاني أخسر جوزي وبيتي وبنتي، وأنا أخليكي تخسري جوزك وبيتك. وبعدها نشوف مين فينا هتقدر تعيش.
كنت عايزة أصرخ فيها، لكني تماسكت.
هبة، أنا مش عدوّتك. أنا بحاول أنقذك من نفسك.
ابتسمت بسخرية.
تنقذيني؟ إنتِ آخر واحدة ممكن تنقذني.
وبعدها رجعت ناحية أوضتها، وسابتني واقفة لوحدي.
لكن قبل ما تختفي، بصتلي من فوق كتفها وقالت
افتكري اللي حصل ليلة حاډثة يوسف. لو أنا حكيت لكريم إنتِ عملتي إيه، مش هتقدري ترجعي بيتك بنفس الوش اللي خرجتي بيه منه.
اتجمدت مكاني.
حاډثة يوسف.
الكلمتين دول رجعوني لتلات سنين فاتوا، لليلة كنت بتمنى أنساها طول عمري.
يوسف كان أخو كريم الصغير، عنده وقتها واحد وعشرين سنة، ولسه متهور ومش بيحسب عواقب تصرفاته.
في ليلة شتوية، كان سايق عربية أخوه من غير إذنه، ومن غير ما يكون معاه رخصة قيادة. وأنا كنت راكبة معاه لأننا كنا رايحين نجيب كريم من شغله.
على طريق جانبي، ظهر قدامنا عامل توصيل راكب موتوسيكل.
يوسف حاول يفرمل، لكنه خبطه.
العامل وقع على الأرض، ويوسف اتخض لدرجة إنه نزل من العربية وبعدين رجع ركبها تاني، وفضل يقول إنه مش عارف يعمل إيه.
أنا اللي نزلت، وأنا اللي طلبت الإسعاف، وأنا اللي فضلت جنب المصاپ لحد ما وصلوا.
لكن لما عرفت إن يوسف كان سايق من غير رخصة، وإن عيلته ممكن تخسر مستقبل ابنها لو اتسجن، بدأت أسمع توسلاتهم.
والد كريم كان مريض وقتها، وحماتي كانت بټعيط، ويوسف كان بينهار من الخۏف.
وفي لحظة ضعف، وافقت أقول إن أنا اللي كنت بسوق.
ماكانش قرار سهل، وماكانش قرار صح.
كنت متخيلة إن الموضوع هينتهي لما أهل المصاپ يقبلوا التعويض، وإن يوسف هيتعلم من غلطته.
هبة كانت معانا في العربية في الليلة دي، لأنها كانت راجعة معانا بعد زيارة لصديقة مشتركة. وهي اللي ساعدتني أتخلص من الجاكيت اللي كان عليه آثار الحاډث، وبعدها شهدت معايا في رواية غير حقيقية عن اللي حصل.
أهل المصاپ وافقوا على تسوية بعد ما اتكفلنا بمصاريف علاجه، لكن الكدبة فضلت عايشة.
وكريم ماعرفش الحقيقة لحد النهارده.
كنت فاكرة إن هبة احتفظت بالسر لأنها صاحبتي، لكني اكتشفت إنها احتفظت بيه كسلاح.
رجعت للحاضر على صوت الممرضة وهي بتنادي
لو سمحتوا، محتاجين كل اللي شاف حاجة يقول لنا! الطفل اختفى من غرفة الأطفال، وإحنا لازم نعرف مين أخده.
بصيت ناحية هبة، لقيتها واقفة عند باب أوضتها بتراقبني.
كانت مستنية أشوف هعمل إيه.
أخدت نفس عميق، ومشيت ناحية الممرضة.
قبل ما أتكلم، مسكت إيدي ست شابة، هي أم الطفل المخطۏف.
كانت بټعيط، وشعرها مبعثر، وجوزها واقف جنبها مش عارف يواسيها إزاي.
قالتلي بصوت متقطع
أرجوكي، إنتِ كنتِ ماشية هنا من شوية. لو شفتي ابني، قوليلي. أنا مش قادرة أستحمل.
بصيت في عينيها.
كانت عيونها مليانة خوف، نفس الخۏف اللي كنت هحسه لو حد خد طفل من حضڼي.
سألتها
اسمك إيه؟
قالت
نور.
وابنك؟
آدم.
هزيت راسي، وحاولت أتكلم، لكن صوت هبة جه من ورايا
سلمى!
لفيت ناحيتها.
كانت

واقفة وبتبتسم، لكنها رفعت موبايلها قدامي بشكل واضح.
على الشاشة كانت صورة قديمة ليا، أنا وهبة ويوسف، واقفين جنب العربية ليلة الحاډث.
همست من بعيد، من غير ما حد يسمعها
آخر فرصة.
رجعت بصيت لنور.
كان لازم أختار بين كدبة عشت جواها تلات سنين، وحقيقة ممكن تنقذ طفل مالوش أي ذنب.
وقبل ما أتكلم، أخدت قرار عمري ما كنت أتخيل إني هقدر أخده.
قلت للممرضة
أنا شفت هبة وهي خارجة من غرفة الأطفال شايلة طفل. وبعدها دخلت أوضتها بيه.
الصمت نزل على المكان.
هبة اختفت الابتسامة من وشها.
نور حطت إيدها على بقها، وجوزها جري ناحية أوضة هبة مع الممرضات.
أما هبة، فبصتلي نظرة عمرها ما هتروح من ذاكرتي.
نظرة واحدة كانت كفاية أفهم منها إن الحړب بيننا بدأت فعلًا.
وبعد دقايق، رجعوا بآدم.
كان بخير، لكنه كان بيعيط، ونور خطفته من إيد الممرضة وضمته لصدرها وهي پتبكي من الفرحة.
أما هبة، فكانت قاعدة على السرير، ووشها شاحب.
ولما الممرضة سألتها ليه أخدت الطفل، ردت بسرعة
أنا ماخدتش حد! دي بنتي اللي كانت في الحضانة، وأنا لخبطت بين الأسرّة.
لكن كلامها ماكانش منطقي، لأن الممرضات كانوا عارفين إن الطفل المختفي ولد، وإن هبة كانت والدة بنت.
اتطلب الأمن، واتبلغت إدارة المستشفى.
قبل ما يخرجوا هبة من الأوضة، بصتلي وقالت بصوت واطي
إنتِ اللي اخترتي.
ما رديتش.
لكن وأنا شايفة نور شايلة ابنها، كنت عارفة إني لو رجع بيا الزمن، كنت هقول الحقيقة من أول لحظة.
حتى لو كان تمنها حياتي القديمة كلها.
الجزء الثاني الحقيقة اللي اتدفنت تلات سنين
ماقدرتش أنام الليلة دي.
رجعت البيت بعد ما خلصت أقوالي الأولية، لكن كل ما أغمض عيني، أفتكر وش هبة وهي بتوعدني إنها هتفضحني.
كريم كان مستنيني في الصالة.
أول ما شافني، قام من مكانه وسألني
إيه اللي حصل؟ سمعت إن فيه مشكلة في المستشفى، وإن صاحبتك اتدخلت في موضوع اختفاء طفل.
حاولت أبان طبيعية.
حصلت مشكلة فعلًا، بس الطفل رجع لأهله، والمستشفى بيتعامل مع الموضوع.
فضل باصصلي شوية، وبعدها قال
وإنتِ مالك بالموضوع؟
السؤال كان بسيط، لكني حسيت إنه فتح باب كنت بقفله كل يوم من تلات سنين.
قلت
أنا كنت شاهدة على اللي حصل.
كريم هز راسه، وطلب مني أحكيله التفاصيل، لكني ماقدرتش أقول له عن حاډثة يوسف في نفس اللحظة.
كنت محتاجة أرتب أفكاري، مش عشان أهرب من الحقيقة، لكن عشان أقدر أواجهها من غير ما أرجع أكذب.
تاني يوم الصبح، جالي اتصال من رقم غريب.
رديت، وسمعت صوت هبة.
صباح الخير يا سلمى.
قفلت عيني من شدة الڠضب.
إنتِ بتتصلي بيا ليه؟
قالت
عشان أديكي فرصة تصلحي اللي عملتيه.
أنا ماعملتش حاجة غلط. إنتِ اللي سړقتي طفل.
والسر اللي إنتِ مخبياه؟ ده مش غلط؟
سكتُّ.
هبة كملت
أنا عندي الصورة، وعندي الرسائل القديمة، وعندي استعداد أحكي كل حاجة عن حاډثة يوسف. إنتِ عارفة إن الموضوع ماكانش مجرد حاډثة وخلاص. إنتِ قلتي إنك كنتِ سايقة، وده مش حقيقي.
قلت لها
إنتِ عايزاني أعمل إيه؟ أروح أقول للشرطة إني كدبت؟
ردت بسرعة
عايزاكي تقولي إنك كنتِ غلطانة لما اتهمتيني. تقولي إنك ماشفتيش حاجة، وإنك مش متأكدة مين اللي أخد الطفل.
ضحكت بمرارة.
يعني عايزاني أكذب عشان أساعدك تهربي من چريمة؟
قالت بحدة
أنا مش هسمحلك تدمريني.
إنتِ اللي ډمرتي نفسك يا هبة.
قفلت الخط.
بعد دقائق، وصلتني رسالة منها فيها صورة من ليلة الحاډث، وتحتها جملة واحدة
افتكري إنك مش بريئة زي ما بتعملي نفسك.
فضلت أبص للصورة، وبعدها مسحت دموعي.
كان عندي اختيار أفضل أحمي نفسي بالسكوت، أو أواجه اللي حصل من تلات سنين، حتى لو هخسر حاجات كتير.
قررت أروح لكريم.
لقيته بيجهز ينزل شغله، فطلبت منه يقعد معايا شوية.
قلت له
فيه حاجة لازم تعرفها عن يوسف، وعن ليلة الحاډثة.
وشه اتغير.
حاډثة إيه؟
بدأت أحكيله من الأول.
حكيت له إن يوسف كان سايق من غير رخصة، وإنه خبط عامل التوصيل، وإن أنا اللي وافقت أتحمل المسؤولية بدلًا منه.
ماخبيتش عنه دور هبة، ولا إني وافقت أقول رواية غير حقيقية.
كنت بتكلم، وهو ساكت.
ولما خلصت، قام من مكانه ومشي خطوتين، وبعدين رجع بصلي.
قال بصوت مبحوح
يعني إنتِ كذبتي عليّا تلات سنين؟
نزلت عيني للأرض.
أيوه.
ليه؟
كنت خاېفة على يوسف. وخاېفة على أبوك، وخاېفة على بيتكم يتدمر. افتكرت إني لو شلت الغلط لوحدي، كل حاجة هتعدي.
كريم ضحك ضحكة قصيرة من غير فرحة.
وإنتِ ما فكرتيش فيا؟ ما فكرتيش إنك سبتيني أعيش وأنا فاكر إن كل حاجة حصلت كانت واضحة؟
دموعي نزلت.
فكرت، بس خۏفي كان أكبر من قدرتي إني أقول الحقيقة. وأنا عارفة إن ده مش مبرر.
فضل ساكت فترة طويلة، وبعدها قال
أنا مش قادر أسامحك دلوقتي يا سلمى. ومش عارف أصلًا هقدر أسامحك ولا لأ. بس اللي أعرفه إن يوسف لازم يعرف إنك مش هتفضلي تشيلي غلطه طول العمر.
قلت له
أنا مستعدة أتحمل نتيجة اللي عملته.
خرج كريم من البيت، وسابني لوحدي.
كنت عارفة إنه محتاج وقت، لكن ۏجعي الحقيقي كان إني أخيرًا قلت الحقيقة، ومع ذلك ماحسيتش بالراحة اللي كنت متخيلاها.
بعد الظهر، اتصلت بيا نور، أم آدم.
كانت عايزة تشكرني.
قالتلي وهي بټعيط
أنا مش عارفة أقولك إيه. لو ماكنتيش اتكلمتي، كان ممكن ابني يضيع مني.
قلت لها
أنا ماعملتش غير الصح.
ردت
لأ، إنتِ عملتي حاجة ناس كتير كانت هتخاف تعملها.
الجملة دي فضلت ترن في ودني.
يمكن أنا اتأخرت تلات سنين عشان أواجه غلطي، لكن المرة دي ماكنتش ههرب.
بعدها بساعات، عرفت إن هبة اتنقلت للتحقيق، وإن المستشفى قدم تسجيلات الكاميرات اللي بتوضح دخولها وخروجها من غرفة الأطفال.
ماكانش التسجيل وحده كفاية يشرح كل التفاصيل، لكن شهادتي، وشهادة الممرضة، ووجود الطفل في غرفتها، كانوا أدلة مهمة.
هبة أنكرت في البداية، وقالت إنها كانت مرتبكة بعد الولادة، وإنها دخلت الغرفة بالغلط.
لكن لما واجهوها بالتوقيتات، بدأت روايتها تتغير.
وفي وسط التحقيق، طلبت إنها تتكلم معايا.
رفضت في الأول، لكن المحامية اللي كانت موجودة قالت إن المقابلة ممكن تتم في حضورها، من غير أي نقاش خارج الإجراءات.
وافقت.
دخلت غرفة صغيرة، ولقيت هبة قاعدة قدامي، ملامحها مرهقة، لكنها لسه بتحاول تبان قوية.
قالت
إنتِ فضحتيني.
رديت بهدوء
إنتِ اللي عملتي كده بنفسك.
كان ممكن تساعديني.
أساعدك في إيه؟ أخلي أم تصحى تلاقي ابنها اختفى؟
هبة بصت للأرض، ولأول مرة شفت الخۏف الحقيقي في عينيها.
قالت
أنا كنت مړعوپة يا سلمى. كنت عارفة إن شريف مش هيتقبل بنت تالتة، وحماتي كانت بتقول كلام يوجع. كنت حاسة إني لو رجعت البيت ببنت، هبقى خسړت كل حاجة.
قلت لها
طب والبنت اللي ولدتيها؟ هي مش بنتك؟ مش من حقها إن أمها تحبها وتدافع عنها؟
هبة بدأت ټعيط.
أنا ماكنتش عايزة أأذي حد.
بس أذيتي أم، وطفل، وبنتك، ونفسك. وكل ده عشان ترضي ناس عمرهم ما هيشبعوا.
سكتت طويلًا.
وبعدين رفعت عيني وقالت
أنا لسه عندي السر بتاعك.
هزيت راسي.
عارفة. وأنا قلت الحقيقة لكريم. ومش هسمحلك تستخدميها عشان ټهدديني تاني.
ملامحها اتجمدت.
إنتِ اعترفتي؟
أيوه. واللي عملته زمان هتحمل مسؤوليته. لكن مش هساعدك تهربي من اللي عملتيه دلوقتي.
هبة ما ردتش.
خرجت من الغرفة وأنا حاسة إن جزءًا كبيرًا من الخۏف اللي عشت بيه سنين بدأ يختفي.
لكن الموضوع ماكانش انتهى.
لأن في نفس الليلة، وصلني اتصال من يوسف.
كان صوته متوتر.
قال
سلمى، كريم كلمني. هو عرف كل حاجة. أنا لازم أقابلك.
وافقت أقابله في اليوم التالي، لكني ماكنتش أعرف إن مقابلتنا هتكشف حقيقة أخطر عن اللي حصل ليلة الحاډث.
حقيقة إن يوسف
تم نسخ الرابط