كل خميس لـ محمد نور
المحتويات
فريق التحقيق كان بيتابع الاتصالات والتحركات بعد الحصول على التصاريح القانونية اللازمة.
سمعت لاحقًا تفاصيل المكالمة اللي أكدت إنهم بدأوا يقلقوا.
أحمد قال
مريم مش في المدرسة. سارة أخدتها بدري، وبيقولوا عندها موعد طبي.
حسن رد بعصبية
يعني إيه أخدتها؟ هي ما قالتليش حاجة!
أعمل إيه دلوقتي؟ أنا واقف قدام المدرسة!
حسن سكت لحظة، وبعدها قال
لازم نكلم نجلاء. الناس مستنيانا، وأنا محتاج الفلوس النهارده.
أحمد سأله
طب والبنت؟
حسن رد بحدة
هنشوف هنعمل إيه. تعالى نقابل نجلاء الأول.
حددوا ميعاد في مكان بعيد عن الزحمة، في مبنى قديم على أطراف القاهرة، تابع لشركة مرتبطة بنجلاء.
العقيد رجب شرح لي الخطة.
قال
هنسيبهم يوصلوا للمكان، ونراقب اللي هيحصل. لو اتأكدنا من وجود الأدلة المطلوبة، هنتدخل فورًا. إنتِ هتفضلي في العربية معانا، ومش هتنزلي إلا لما نديكي الإشارة.
هزيت راسي، رغم إن كل جزء في جسمي كان عايز يجري ويواجه حسن.
كنت عايزة أشوفه بعيني، وأسأله إزاي قدر يعرّض بنته للخطړ بالشكل ده.
لكن كان لازم أسيب القانون ياخد مجراه.
وصل حسن وأحمد للمكان، وبعد شوية ظهرت نجلاء.
كانت ست في منتصف العمر، ملامحها جامدة، وبتتكلم بثقة كأنها متعودة إن كل اللي حواليها ينفذوا أوامرها.
حسن قرب منها وقال
إحنا محتاجين نتكلم. أنا محتاج الفلوس اللي اتفقنا عليها.
نجلاء بصت له ببرود.
والاتفاق كان واضح. من غير البنت، مفيش فلوس.
حسن حاول يخفض صوته.
سارة أخدتها من المدرسة، وأنا مش عارف هي فين دلوقتي. اديني جزء من المبلغ، وأنا هتصرف.
نجلاء ضحكت بسخرية.
إنت فاكر إن الموضوع لعبة؟ الناس اللي ورايا مش مستنية تسمع مشاكلك العائلية. هما دفعوا فلوس، وعايزين اللي اتفقنا عليه.
أحمد تدخل وقال
إحنا هنحل الموضوع. بس محتاجين وقت.
نجلاء قربت منهم وقالت
الوقت خلص. يا إما تنفذوا الاتفاق، يا إما كل واحد فيكم يتحمل نتيجة اللي عمله.
في اللحظة دي، وصلت الإشارة للعقيد رجب.
تحركت قوات الأمن من أكتر من اتجاه، وحاصرت المبنى.
صوت جه من الخارج
شرطة! محدش يتحرك!
أحمد رفع إيديه فورًا، ووشه بقى شاحب.
نجلاء حاولت تدخل المبنى بسرعة، لكن أفراد القوة اعترضوا طريقها وأمسكوا بيها.
أما حسن، ففضل واقف مكانه للحظات، كأنه مش قادر يصدق اللي بيحصل.
بدأ يردد
فيه غلط أكيد فيه غلط. أنا ماليش دعوة بأي حاجة!
لكن محدش رد عليه.
كنت قاعدة في العربية، وإيديا بتترعش، لحد ما العقيد رجب أشار لي إن المكان بقى تحت السيطرة وإنه ممكن أخرج.
نزلت من العربية، ومشيت ناحية حسن.
لما شافني، عينيه اتسعت.
سارة؟! إنتِ بتعملي إيه هنا؟
ما رديتش في الأول.
طلّعت جهاز التسجيل من شنطتي، ورفعته قدامه.
فاكر ده يا حسن؟
وشه اتغيّر أول ما شافه.
شغّلت التسجيل، وخلّيته يسمع صوته وهو بيتكلم عن مريم والفلوس ونجلاء.
كل كلمة كانت بتطلع من الجهاز، كانت بتسحب منه حجة جديدة.
لما التسجيل خلص، حاول يقرب مني.
سارة، اسمعيني. الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة!
رجعت خطوة لورا.
أمال زي إيه يا حسن؟! صوتك إنت اللي سمعته. إنت اللي قلت ياخدوها عند نجلاء. إنت اللي اتكلمت عن الفلوس. إنت كنت عارف إن بنتك بتفقد الوعي كل خميس، وبرضه كنت بتمنعني آخدها المستشفى!
بدأ يتكلم بسرعة، كأنه بيحاول يلاقي أي كلمة تنقذه.
أنا كنت مضغوط!
كان عليّ ديون كتير، والناس كانت بتهددني. أحمد هو اللي دخلني في الموضوع، ونجلاء هي اللي كانت بتدير كل حاجة!
بصيت له بۏجع وڠضب.
حتى لو كنت مديون للدنيا كلها، ده مش مبرر إنك تبيع أمان بنتك. كنت تقدر تطلب المساعدة، كنت تقدر تواجه مشاكلك، لكن إنت اخترت تسلّم بنتك للناس اللي أذوها!
حسن حاول يبرر أكتر
أنا ما كنتش عايز يحصل لها حاجة. هما قالوا إنها مجرد إجراءات بسيطة، وإنها هتكون تحت إشراف متخصصين!
صړخت فيه
وإنت صدقتهم؟! ولا كنت عارف الحقيقة واخترت الفلوس؟!
ما عرفش يرد.
كان واقف قدامي، ولأول مرة أشوفه من غير قناع الهدوء والثقة اللي كان دايمًا بيخبي وراه كل حاجة.
لكن ما حسّيتش بالشفقة عليه.
كل اللي كنت شايفاه هو مريم، وهي راجعة كل خميس فاقدة الوعي، وأنا بجري عليها ومش فاهمة إيه اللي بيحصل.
أفراد القوة قيّدوا حسن واقتادوه بعيدًا.
أما أحمد، فكان بيحاول يبعد المسؤولية عن نفسه، وبيكرر إن نجلاء هي اللي كانت بتطلب منهم يجيبوا البنت.
ونجلاء نفسها كانت بتنكر أي علاقة ليها باللي حصل، وبتقول إن حسن وأحمد هما المسؤولين عن تسليم مريم.
لكن التسجيلات والتحويلات المالية والتقارير الطبية كانت بتقول حكاية مختلفة.
ولما دخل فريق التحقيق المبنى، اكتشفوا معدات طبية، وملفات، وسجلات، ومستندات مالية مرتبطة بالأنشطة اللي كانت بتتعمل هناك.
كانت الأدلة أكبر بكتير من مجرد واقعة تخص مريم.
ومع استمرار التحقيقات، ظهرت معلومات عن أطفال وأشخاص تانيين اتعرضوا لممارسات مشابهة، واتضح إن الشبكة دي كانت بتشتغل من فترة، وبتستغل احتياج بعض الناس للفلوس أو ضعفهم عشان تمرر أنشطتها غير القانونية.
بدأت القضية تكبر، واتكشفت تفاصيلها قدام جهات التحقيق.
وبعد فترة، انتشرت أخبار القبض على حسن وأحمد ونجلاء، وظهرت معلومات عن الديون اللي كان حسن بيحاول يسددها، وعن التحويلات اللي ربطته بالشركة.
حسن حاول يلقي اللوم على أحمد.
وأحمد حاول يحمّل نجلاء المسؤولية.
ونجلاء أصرت إن حسن كان عارف كل حاجة من البداية.
لكن الأدلة كانت أقوى من محاولاتهم للهرب من المسؤولية.
التسجيلات، والتحويلات المالية، والتقارير الطبية، وشهادات الشهود، كلها ساعدت في كشف الحقيقة.
ومع انتهاء الإجراءات القضائية، صدرت أحكام بالسجن على المتورطين، بعقوبات طويلة تتناسب مع الچرائم اللي ثبتت ضدهم. واتسعت التحقيقات لتشمل باقي أفراد الشبكة، وتمت ملاحقة المسؤولين عن إدارة الأنشطة غير القانونية.
أما أنا، فكان عندي هدف واحد بس أبدأ حياة جديدة مع مريم، بعيد عن كل اللي حصل.
بعت البيت اللي عشنا فيه مع حسن، وانتقلت مع بنتي لمدينة تانية.
في البداية، ما كانتش الحياة سهلة.
مريم كانت بتصحى من النوم مڤزوعة أحيانًا، وتخاف لما تسمع صوت عربية تقف قدام البيت. وفي أوقات كتير، كانت تمسك إيدي بقوة وتسألني إذا كان عمها أو أبوها ممكن يرجعوا.
كنت بضمھا لصدري وأطمنها.
محدش هيقدر يأذيكي يا حبيبتي. إنتِ دلوقتي في أمان، وأنا معاكي.
ومع مرور الوقت، بدأ خۏفها يقل تدريجيًا.
رجعت تلعب، وتضحك، وتروح المدرسة، وتكوّن صداقات جديدة.
ما كنتش بضغط عليها إنها تنسى اللي حصل، ولا بطلب منها إنها تتصرف وكأن مفيش حاجة حصلت. كنت بديها وقتها، وبحاول أكون جنبها كل ما تحتاجني.
وفي يوم، وإحنا قاعدين سوا، بصت لي فجأة وسألتني
ماما، هو بابا كان عارف إنهم بيأذوني؟
السؤال وجعني أكتر من أي حاجة تانية.
كنت عايزة أحميها من الحقيقة، لكن ما كنتش عايزة أكذب عليها.
خدت إيديها بين إيديا وقلت لها بهدوء
أيوه يا حبيبتي، بابا عمل اختيارات غلط جدًا، وكان المفروض يحميكي وما يسمحش لأي حد يأذيكي. لكن اللي حصل مش ذنبك إنتِ أبدًا. وإحنا هنفضل نعمل
كل اللي نقدر عليه عشان ما حدش يقدر يأذيكي تاني.
سكتت شوية، وبعدها حضنتني.
في اللحظة دي، فهمت إن التعافي مش معناه إننا نمسح اللي حصل من ذاكرتنا، لكنه معناه إن اللي حصل ما يفضلش يتحكم في حياتنا كلها.
مرت تلات سنين.
مريم بقت عندها عشر سنين، وكبرت وبقت أهدى وأقوى، وبدأت ترجع تثق في نفسها وفي الناس اللي حواليها.
وفي يوم من أيام المدرسة، كانت مشاركة في عرض صغير على المسرح.
وقفت وسط زميلاتها، وابتسمت بثقة وهي بتؤدي دورها.
كنت قاعدة بين
متابعة القراءة