جارتي فضلت ترمي زبالتها قدام بيتي حكـايات مني السيد
المحتويات
الزبالة دي وحطها هنا؟! مين الجريء اللي يعمل كده في بيتي أنا؟!
طبعا جوزها بصلها بشك وقال لها يا سماح اهدي، صوتك جاب الجيران، تعالي ندخل جوه نتفاهم.
لكن سماح ما كانتش قادرة تهدي، وقفت في نص الشارع تلطم على وشها وتزعق دي مش زبالة عادية! دي ريحتها تقرف! ده انتقام! أنا هعرف مين اللي عمل كده، أنا هاروح أفتح الكاميرات، ووالله ما هسيبه، هحبسه وأخليه عبرة لمن يعتبر!
أنا كنت واقفة وراء الستارة، حاطة إيدي على بوقي بالعافية عشان صوت ضحكتي ما يطلعش ويفضحني. كنت بشاهد المسرحية دي ومستمتعة بكل ثانية فيها. هي كانت فاكرة إنها لما تعمل كده مع الناس وتدوس على الكل محدش هيقدر يلمسها، لكن لما الدور جه عليها وذقت من نفس الكأس، اتجننت وفقدت أعصابها.
قعدت سماح طول اليوم ده تجري يمين وشمال، سألت البواب، وطلعت الشقق تسأل الجيران كلهم، وجهت اتهامات لكل واحد في الشارع إنهم بيحقدوا عليها وعلى جوزها وعلي مستواهم. لحد ما جات الساعة بالليل، وطرق الباب بتاعي بصوت عالي وعنيف.
فتحت الباب ببطء وبملامح بريئة كأن مفيش أي حاجة في الدنيا حصلت.
لقيت سماح واقفة قدامي، وشها أحمر زي الجمر، وعينها طالع منها شرار، وشعرها منكوش من كتر العصبية. كانت بتنهج بطريقة تخوف، ورفعت صباعها في وشي وقالت بصوت مليان غل
إنتِ! إنتِ يا ست إنتِ اللي عملتي الحركة الوسخة دي النهاردة الصبح، صح؟!
برقت بعيني باستغراب مصطنع، وقولت ببرود تام
حركة إيه يا سماح؟ بسم الله الرحمن الرحيم، مالك يا بنتي باين عليكي عصبية ليه كده من الصبح؟!
قالت وهي بتجز على أسنانيها
بطلي استهبال! عارفة كويس أنا بتكلم عن إيه! الزبالة اللي كانت على باب بيتي النهاردة! إنتِ اللي جبتيها وحطيتيها هناك، صح؟ إنتي فكراني مش عارفة إنك إنتي البجحة اللي تجرؤ تعمل كده؟!
بصيت لها من فوق لتحت ببرود أشد، وربطت إيدين الاثنين على صدري، وقسّمت كلامي بالراحة
يا سماح هانم، اتكلمي بأدب وأنا واقفة قدامك في بيتي. زبالة إيه دي اللي بتقولي عليها؟ أنا واحدة ست قاعدة في حالي، لا بروح أأذي حد ولا باجي جنب حد. وعموماً، لو حد حط زبالة قدام بيتك، يبقى يمكن بيديكي على قد فعايلك! زي ما إنتي عملتي قدام بيتي بالضبط!
وشها اتقلب ألوان الطيف، وبقت عروق رقبتها بارزة، وقالت بجنون
يعني إنتي بتعترفي إنك إنتي اللي عملتيها يا قليلة الأدب؟!
ضحكت بصوت هادي وقاتل، وقولت لها
أنا ما اعترفتش بحاجة.. أنا بس بقول إن الكفة دايماً بتروح لمن يبتدئ بالظلم. وزي ما قولتالك امبارح بالحرف الواحد كل كيس زبالة هترميه عندي.. هيرجعلك لحد باب بيتك، ومعاه هدية تليق بمقامك العالي كمان!
قربت مني كأنها هتهجم علي وتضربني بإيدها، وقالت بصوت مهدد
والله لأسجنك! هطلع عينك في المحاضر وفي الشرطة، وهخليكي تندمي على اليوم اللي جيتي فيه الشارع ده! أنتي ما تعرفيش أنا أبقى مرتين مين وجوزي يقدر يعمل فيكي إيه!
بصيت لها في عيونها بكل ثبات وقوة، وقولت بابتسامة خفيفة وواثقة
جوزك دكتور شاطر وأكيد بيخاف على سمعته وعيادته، وروحي اشتكيني في القسم وافتحي كاميراتك وقولي لهم يا باشا الجارة العجوزة دي بترجع لي الزبالة اللي أنا رميتها قدام بيتها أصلاً.. تعالي نشوف البوليس هيضحك على مين فيكم الأول، ولا هيقولك عيب عليكي واحدة في سنك تعمل الحركات الصبياني دي وتأذي جيرانها عشان توفر كام قرش حق جمع القمامة؟!
اتجمعت الكلمات في حلقها وبقت تبص لي ولسانها ابتلع. فتحت بوقها عشان تنطق بحاجة، لكن مفيش ولا حرف طلع منها. فهمت كويس إنها لو اشتكت، الفضيحة هتبقى فوق دماغها هي وجوزها، لأنها ببساطة هي اللي بدأت الغلط وهي اللي تهجمت عليا أولاً.
رجعت لوراء خطوتين، وهي بترتجف من الغضب والقهر، وبصت لي نظرة طويلة مليانة كره وحقد دفين، وقالت بصوت واطي ومرجف
ماشي يا ، وربنا لأوريكي أيام سوداء تخليكي تسيبي البيت ده وتجري مرعوبة منه، ما تبقيش سماح لو ما طلعتكيش من هنا على مأوى أيتام!
رديت عليها بهدوء وهي بتلف ظهرها عشان تمشي
استنى بس يا سماح، لسه بكرة فيه كيسين كمان مستنيينك الصبح، جهزي الورد بقى عشان يليق بالمقام!
قفلت الباب في وشها بهدوء، وسندت ضهري عليه وأنا باخد نفس عميق. كنت عارفة إن الحرب لسه ما خلصتش، وإن سماح مش هتهدى بالساهل، لكن كنت مستعدة لكل خطوة ممكن تعملها، وكنت ناوية أكمل اللي بدأته لحد ما تتعلم للأبد إزاي تحترم جيرانها وممتلكاتهم.
الفصل الثالث حرب الأعصاب والورد البلدي
دخلت سماح بيتها والغباء والغل كانوا بينقطوا من عينيها، وواضح إنها كانت بتولع من جواها لأنها اتصدمت فيا للمرة الأولى. هي طول عمرها فاكرة إن الناس الطيبة اللي بتسكت على حقها عشان تشتري راحة بالها، ناس ضعيفة ومكسورة الجناح وماتقدرش تاخد حقها بدراعها. لكنها ما كانتش تعرف إن الست اللي قضت عمرها كله توفر قرش فوق قرش لحد ما بنت مملكتها الجديدة لوحدها، عندها من الصبر والجلد والعقل اللي يخليها تدير المعركة دي وكأنها بتلعب شطرنج.
تاني يوم الصبح بدري، قبل ما نور الفجر يبان كويس، كنت قاعدة في الصالة بشرب قهوتي وبراجع حساباتي. أنا عارفة دماغ سماح كويس؛ الست دي بتموت في المظاهر والمنظر قدام جيرانها والناس اللي رايحة واللي جاية في الشارع. بالنسبة لها، أي خدش في صورتها أو بريق مدخل بيتها بيعتبر كارثة قومية وكسرة كرامة ما تقدرش تتحملها. وعشان كده، كان لازم أكمل اللعبة بنفس الطريقة بس بتكتيك أذكى وأغرب يخليها تفقد أعصابها على الآخر من غير ما تديني فرصة أمسك في خناقها أو أعمل مشكلة قانونية.
خرجت من باب بيتي ومعايا كيسين كبار من زبالتها اللي رمتهم عندي تاني امبالح بالليل، وكمان حطيت معاهم شوية حاجات تانية تزود الواجب، زي قشر بصل متبل وعلب تونة فاضية ريحتها جابت أول الشارع. مشيت على تروسيكلي الصغير لحد أبعد صندوق زبالة في أول المنطقة، اتخلصت من الزبالة الحقيقية هناك عشان ما أوسخش الشارع كله، بس احتفظت بحاجات معينة خفيفة ومقصودة، ورجعت بيها على بيت سماح.
الساعة كانت حوالي خمسة ونصف الصبح، الدنيا رايقة ومفيش غير البواب بيعزل الكشر في أول الزاوية. قربت من سلم سماح الناصع البياض، وعملت خطتي الجديدة.
بدل ما أحط كيس الزبالة كده حاف، جبت شريط ساتان أحمر طويل وربطت به الكيس بطريقة منظمة كأنها هدية عيد ميلاد فاخرة رايحة لعروسة! وحطيت فوق الكيس طبق بلاستيك نضيف وفيه وردة بلدي مقطوفة طازة من جنينتي، وكتبت كارت صغير بإيدي بخط حلو صباح الورد يا جارتنا العزيزة.. شكراً لتعاونك المستمر معنا.
حطيت الهدية دي في نص السلم بالضبط عند باب شقتها، ورجعت بيتي وأنا بشرب شاي بالنعناع ومستمتعة بالعرض المجاني اللي هيبدأ بعد دقايق.
وما كملتش نص ساعة، وسمعت صوت فتح الباب بتاعها!
كالعادة، فتحت الباب بعنف وهي ماسكة كوباية القهوة بتاعتها وباصة لفوق بغرور، وخطت خطوتها الأولى بس المرة دي ما خبطتش في زبالة عادية، دي خبطت في طبق عليه ورد
متابعة القراءة