جارتي فضلت ترمي زبالتها قدام بيتي حكـايات مني السيد
المحتويات
وشريط أحمر وشكل يجنن، وجواها الكيس اللي ريحته كانت كفيلة تقلب معدتها!
وقفت سماح مكانها زي اللي اتكهربت!
بصت للطبق والوردة والشريط الأحمر، وبعدين بضت للكيس اللي مربوط بمهارة كأنه دستة حلويات جايين من عند العبد. عيونها نطت لبرا من كتر الصدمة والذهول، وفتحت بوقها وعايزة تصرخ بس الكلمات خانتها. بعد ثواني من الصمت اللي قطع قلبها، طلعت منها صرخة رعبة صحت الشارع كله
يا مجنونة! يا شيطانة! يا بت الإيه دي إنتي ناوية تجننيني؟!
نزلت جري في الشارع وهي لابسة بيجاما حرير غالية، وبقت تلطم على وشها وتزعق بصوتستفزازي يقطع القلب
يا ناس! يا عالم! الحقوني! الست العجوزة دي اتجننت رسمياً! بتبعت لي الزبالة في علب هدايا! حد يلمها مني لولا كده هرتكب فيها جناية النهاردة!
الجيران فتحوا الشبابيك، وكل واحد بص من شباكه مستغرب المنظر العجيب كيس زبالة بريحة السمك والبصل، مربوط بشريط أحمر وفوقه وردة بلدي على مدخل أبيض بيلمع! الشكل كان بيضحك ويبكي في نفس الوقت، لدرجة إن في شاب من الشباب اللي ساكنين قدامنا ما قدرش يمسك نفسه وطلع صوت ضحك مكتوم.
س سماح شافت الضحك، فتحولت لثور هائج. بصت للشباك وبقت تشتم في العيال وفي الشارع كله بضحكوا على إيه يا قليلين الأدب؟! ما تشوفوا البجحة دي بتعمل فيا إيه؟! دي فاجرة وبتتحدا عيني عينك!
أنا كنت قاعدة جنب شباك المطبخ، لابسة نظارة القراءة وبقرأ في كتاب، وبشرب فنجان القهوة على مهلي ولا كأنها بتزعق قدام بيتي ولا كأن الشارع كله مقلوب حس حس. كنت سايباها تاكل في نفسها لحد ما تخلص رصيد صبرها بالكامل.
طوال اليوم، سماح ما قعدتش في بيتها دقيقة واحدة. فضلت رايحة جاية، طلعت اشتكت لصاحب البيت اللي مستأجرين عنده الشقة، وراحت للبواب وهددته بطرده لو ما جابش مين اللي بيعمل كده، وطلعت خبطت على باب الشقق التانية تتهمهم بالغباء وإنهم متواطئين معايا. بس الكل كان بيتهرب منها، لأن الصراحة، الكل كان عارف عمايلها السودة وإنها أصلًا جار مزعج وطماعة وما حدش طايق طريقتها في التعامل.
بالليل، الساعة حوالي تسعة، خبط الباب بتاعي خبطات قوية وعنيفة لدرجة إن الخشب كان هيتخلع من مكانه!
قمت ببطء، ومشيت بهدوء تام لحد الباب، وفتحته وأنا حاطة إيد في جنبي وباصه لها ببرود أعصاب يجلط
خير يا سماح؟ هو إحنا كل يوم لازم نشرب شاي مع بعض في وقت متأخر كده؟ ما تبطلي خبط عشوائي ده عشان البيوت فيها مرضى وناس نايمة!
سماح كانت عيونها حمراء من كتر العياط والعصبية، وشعرها منكوش خالص، وبقت تترعش لدرجة إن كوباية المية اللي كانت في إيدها كانت هتقع
إنتي إنتي شيطانة مقنعة! إنتي عاوزة مني إيه؟! أنا عملتلك إيه لكل ده؟!
رفعت حاجبي الشمال وبصيت لها بابتسامة سمجة، وقلت
أنا؟! هو إنتي نسيتي يا سماح ولا إيه؟ أنا بس ب رد لك الأمانة اللي بتنسيها قدام بيتي! مش إنتي اللي قولتي إن كيس الزبالة مش مهم؟ خلاص، أنا بقى مهتمة بزيادة لدرجة إني بربطه لك بشريط أحمر وأحط لك معاه وردة من جناين بيتي عشان يليق بالمقام الرفيع بتاعك وبشياكتك اللي دماغك طايرة بيها!
قالت وهي بتجز على أسنانها لدرجة إنها بتكاد تكسرها
والله العظيم لهأذيكي في بيتك وفي نفسك! هجيب ناس تكسر لك الشباك ده وتطفش طيورك! ما تبقيش سماح لو ما خليتش قعدتك هنا جحيم ما يتطاقش!
ضحكت بصوت عادي هادي ومستفز، وقولت لها
يا حبيبتي، التهديد ده خليه لكي ولجوزك في العيادة. هنا في الشارع ده، القانون بيحمي اللي يعرف يمسك لسانه. وعموماً، كلمتين وبس وبدون كتر كلام طالما إنتي لسه بتكسل تروحي ترمي زبالتك في مكانها الصح وبتسيبيها قدام بيتي.. أنا مستعدة أفتح محل هدايا وزبالة قدام باب بيتك للصبح! وبكرة الشفت الجديد هينزل في معاده، جهزي الورد يا سماح عشان الوردة الجاية هتكون صفراء لونها تحفة!.
قربت مني كأنها هتنقض عليا وتخربش وجهي بظافرها، لكن قبل ما تتحرك خطوة لقدام، لقيت جوزها الدكتور جه من وراها ومسك دراعها بعنف وقال بصوت عالي ومنفعل
بس يا سماح! كفاية فضايح لحد كده! الناس كلها بتتفرج عليكي من الشبابيك! عيب اللي بتعمليه ده، صغرتينا قدام الشارع كله!
سماح التفتت له وهي مصدومة وعنيها مدمعة
إنت بتزعق لي أنا؟! شايف الست العجوزة دي بتعمل فيا إيه ومش ساكتة؟!
قال لها بصوت حاد وصارم
إنتِ اللي جبتيه لنفسك! من الأول قولتلك بطلي حركاتك القرعة دي وما ترميش زبالتنا بره، بس إنتي ما بتسمعيش الكلام! كفاية بقى، عيب، فضحتيني في وسط زمايلي والجيران!
بصت له سماح نظرة كلها خيبة أمل وقهر، وبعدين بصت لي وقالت بصوت مكسور بس مليان غل
ماشي يا ، الحرب ما انتهتش.. وبكرة تشوفي!
لفت ظهرها ومشيت ورا جوزها وهي بتجرجر رجلها، ودخلوا بيتهم وقفلوا الباب وراهم بصوت عالي هز الشارع.
أنا قفلت بابي وراها، وسندت ضهري عليه، وضحكت بصوت عالي وأنا حاسه إن الانتصار بدأ يقرب، وإن سماح بدأت تذوق طعم الكاس اللي سقتها للناس سنين طويلة. بس كنت عارفة إن الست دي مش هتستسلم بالسهولة دي، وإن بكرة مخبي مفاجآت تانية خالص في الحرب الباردة اللي بيننا.
الفصل الرابع والأخير الوردة الصفراء والنهاية غير المتوقعة
تاني يوم الصبح، الساعة جت سبعة إلا ربع، وكنت واقفة في جنينة بيتي الصغيرة بصاصة بعيني على باب بيت سماح. امبارح بالليل كان هادي بشكل مريب، مفيش خناقات، مفيش صوت تكسير، ولا حتى خبط على بابي. السكون ده كان بيخوفني أكتر من صراخها، لأن الست اللي زي سماح لما تهدى فجأة، يبقى بتدبر لمصيبة ثقيلة أو فخ كبير عشان ترد بيه الكرامة اللي اتداس عليها في وسط الشارع قدام الجيران.
لكن أنا مش من النوع اللي يخاف من التهديدات الفشنك. طول عمري وعشت السنين دي كلها بجد وتعب، عارفة كويس إن اللي بيحفر حفرة لغيره بيقع فيها هو الأول، وسماح كانت حفرت حفرة عميقة لنفسها وغرورها هو اللي هيدفنها فيها.
حضرت حاجتي زي كل يوم. النهاردة الدور على الكيسين اللي سماح رمتهم عندي من يومين، ومعاهم شوية فضلات سمك وبصل متبل عشان الريحة تكون مظبوطة على الإدارة الجديدة. وكمان، نفذت وعدي امبارح حضرت الوردة الصفراء. جبت باقة ورد صناعي لونها أصفر فاقع وجذاب، وربطتها بشريط أسود مخملي عشان تدي إيحاء بالفخامة والشماتة في آن واحد.
مشيت على أطراف أصابعي لحد مدخل بيت سماح الناصع البياض.
الشارع كان فاضي خالص، والكل لسه نايم. قربت من السلم، وحطيت كومة الزبالة في نص السلم بالضبط، وفوقها ثبت الوردة الصفراء وشريط الساتان الأسود، وكتبت تحتها كارت صغير بخط إيدق صباح الورد الأصفر.. للغالية اللي ما بتتعلمش أبداً!.
رجعت بيتي، قعدت على كرسي الهزاز جنب الشباك، شربت فنجان القهوة بتاعي، وفتحت كتابي وأنا مستنية العرض يبدأ في معاده الدقيق.
الساعة بقت ثمانية وخمس دقائق
باب بيت سماح اتفتح ببطء شديد، مش كالعادة بعنف وغرور. طلعت سماح، بس شكلها كان غريب جداً! ما كانتش لابسة الروب الحرير بتاع كل يوم، ولا ماسكة
متابعة القراءة