جارتي فضلت ترمي زبالتها قدام بيتي حكـايات مني السيد

لمحة نيوز

كوباية القهوة الغالية بتاعتها. كانت لابسة عباية سوداء بسيطة، وشعرها مربوط لوراء بطريقة عشوائية، ووشها أصفر ومصفر من كتر السهر والتفكير، وعينيها تحتها هالات سوداء واضحة كأنها ما نامتش دقيقة واحدة طول الليل.
خطت خطوتها الأولى، فرجلها خبطت في كومة الزبالة والوردة الصفراء البراقة.
وقفت سماح مكانها ما صرختش! ما لطمتش على وشها! وما شتمتش الجيران زي عادتها.
كل اللي عملته إنها نزلت بعينها بصت للوردة الصفراء والشريط الأسود، وبعدين رفعت عينها ناحية شباكي مباشرة. لقيتني واقفة ببص لها من وراء الازاز، وبابتسامة هادية جداً رفعت لها فنجان القهوة في تحية صباحية صامتة.
سماح فضلت باصة لي ثواني طويلة، وثواني كمان لحد ما فجأة، حصل اللي ما كنتش أتوقعه نهائياً.
ملامح وشها اتغيرت الكره والغل اللي كانوا مرسومين عليها سنين طويلة انكسروا فجأة، وتحولوا لدموع حقيقية نزلت على خدها بصمت تام. قعدت على سلم بيتها الأبيض، وسط الزبالة والورد الأصفر، وراحت في نوبة عياط حرقة وقهر تخلي الحجر ينطق.
أنا اتفاجئت! حسيت بقلبي دق دقة غريبة. الست القوية المستفزة المتعجرفة دي، اللي كانت شايفة نفسها ملكة الشارع كله، انهاررت تماماً قدام كيس زبالة ووردة صفراء.
سيبت فنجان القهوة، ونزلت من بيتي وفتحت باب الجنينة، ومشيت خطوات بطيئة لحد ما وقفت قدامها على أول سلمتها.
بصيت لها وهي قاعدة بتعيط بمرارة، وقلت بصوت هادي وخالي من أي شماتة
ليه العياط ده كله يا سماح؟ مش إنتي اللي قولتي إن الزبالة دي مش مهمة وإنك بتحبي تصرفي فلوسك في المناكير والباديكير؟ أومال فين الضحكة والغرور بتوع أول يوم؟
رفعت سماح عينيها المدمعة ناحيتي، وقالت بصوت مكسور، منبح من كتر الصراخ والسهر
إنتي ما تعرفيش حاجة إنتي فاكراني متكبرة ومغرورة وخلاص، بس إنتي ما تعرفيش أنا في إيه ولا جوزي في إيه!
عقدت حواجبي بستغراب، وقلت
قصدك إيه؟ ما أنتي وجوزك عايشين في مية بصل، فلوس وخير وبيت كبير وعيادة ماشية زي الفل، إيه اللي ناقصك عشان تعملي الحركات دي؟
مسحت سماح دموعها بطرف عبايتها، وقالت بصوت مليان قهر وخنقة
جوزي جوزي دكتور أسنان صحيح، بس عيادته من سنة دخلت في ديون كبيرة عشان وسعها وجاب أجهزة جديدة، ومن وقتها وإحنا بنعاني بصمت. الفلوس اللي كانت في إيدينا طارت، وبقينا ندور على القرش عشان نكفي بيتنا ومصاريف ولادنا في المدارس الخاصة اللي ما نقدرش ننزل منها عشان منظرنا قدام الناس! أنا كنت برمي الزبالة عندك أيوة لأني كنت عايزة أوفر تمن جامع القمامة عشان أدفع بيه قسط المدرسة بتاع ابني اللي هينطرد بكرة لو ما سددتوش!
اتصدمت من الكلام! حسيت بكلماتها كأنها نزلت على دماغي زي الصاعقة. أنا اللي قضيت عمري كله أتعذب وأجمع القرش فوق القرش، فاهمة كويس يعني إيه إنسان مديون، ويعني إيه الخوف على المستقبل وضغط الديون والمظاهر الكدابة اللي الناس بتعيش عشانها عشان تحافظ على شكلها قدام المجتمع.
سماح كملت وهي بتهز راسها بحسرة
أنا ما كنتش باذي كيانك عشان بحبك ولا بكرك، كنت باذي عشان كنت بموت من القهر من جوايا؛ شايفة نفسي ست مكسورة ومش قادرة أقول لحد إننا مفلسين، وشايفاكي إنتي الست الراقية الهادية اللي مش شايلة هم حد وبتشتري بيتي جديد بكل راحة بال. كنت بطلع غلي وقصري فيكي إنتي!
بصيت لها طويلًا، والوجع اللي جوايا اتحول لتنهيدة طويلة مليانة شفقة ورحمة. الحكاية ما كانتش مجرد طمع وبخل، الحكاية كانت قهر وخوف مستدار وراء وش من الغرور والمظاهر الكدابة اللي بتخنق أصحابها.
مددت إيدي ليها، ومسكت كفها البارد اللي كان بيترعش، وقومتّها معايا بهدوء من على السلم.
بصت لي باستغراب وخوف وقالت
إنتي إنتي هتعملي فيا إيه تاني؟ هترمي لي زبالة أكتر؟
ابتسمت بحنان، وقسّمت كلامي بالراحة وأنا بطبطب على كتفها
لأ يا سماح لا زبالة تاني، ولا ورد أصفر تاني. اللعبة خلصت لحد هنا.
قالت بذهول بجد؟! طب والزبالة دي؟
وطيت إيدي وشيلت أكياس الزبالة بنفسي، وحطيتها في عربية النقل الصغيرة بتاعتي، وسبت الوردة الصفراء والشريط الأسود على جنب، وبصيت لها وقولت
الزبالة دي أنا هتصرف فيها. وبخصوص مصاريف ابنك تعالي معايا نشرب كوباية شاي جوه ونحسبها سوا. أنا ست كبرت وعشت في الدنيا دي وشفت ياما، وعمري ما هقفل بابي في وش حد محتاج مساعدة أو واقع في ضيقة، حتى لو كان جار أساء لي في يوم من الأيام.
عيني سماح اتوسعت من الصدمة والذهول، ودموعها نزلت بغزارة أكتر، بس المرة دي مش دوع قهر وضغط، دي دموع ندم وراحة نفسية غريبة. وطت على إيدي وبابتها باحترام وحب عميق، وقالت بصوت مخنوق
أنا آسفة أنا أسوأ جارة في العالم، وإنتي أصيلة وأكبر بكتير من كل اللي عملته معاكي.
رديت عليها وأنا بضحك ضحكة صافية من قلبي
خلاص يا بنت الناس، عفا الله عن ما سلف. اعتبري اللي حصل ده درس عمرك ما هتنسيه، واعرفي كويس إن المظاهر الكدابة مبتأكلش عيش، والصراحة والستر هما اللي بيدوموا.
دخلنا البيت سوا، وشربنا الشاي مع بعض، ومن اليوم ده، سماح ما بقتش مجرد جارة عادية، بقت أكتر من اخت، وتعلمت إزاي تواجه مشاكلها بشجاعة من غير ما تظلم حد تاني معاها. أما أنا، فخرجت من المعركة دي بدرس جديد، وبصديقة جديدة عرفت إزاي تخلي نهاية القصة دي مختلفة تماماً عن كل اللي تخيلوه.

تم نسخ الرابط