في ليلة عيد ميلادهم الـ18

لمحة نيوز

تتواصل مع خريجي المؤسسة.
وفي خلال أسابيع، بدأت المساهمات تتجمع.
صاحب ورشة ساهم بجزء من أرباحه.
وسيدة عندها مصنع صغير ساهمت بمبلغ شهري.
وشاب بدأ مشروعه من الأكاديمية أرسل أول مبلغ كتبرع.
حتى ليلى، التي كانت صاحبة الرسالة القديمة، حضرت بنفسها وقالت
أنا بدأت من عندكم، ودلوقتي دوري أساعد حد يبدأ.
سماح نظرت إلى الوجوه حولها، وشعرت أن المؤسسة لم تعد تعتمد على شخص واحد.
لقد أصبحت عائلة كبيرة من الناس الذين يساعد بعضهم بعضًا.
وبعد عام، أصبح صندوق المؤسسة من أهم مصادر التمويل المستدام.
وفي حفل صغير، وقفت سماح أمام الجميع وقالت
زمان كنت فاكرة إن أكبر نجاح ليا إني أبني مؤسسة كبيرة.
ثم ابتسمت.
لكن اكتشفت إن النجاح الحقيقي إن المؤسسة تعرف تكمل حتى من غيري.
صفق الحاضرون.
ومن بين الصفوف، كانت منار تنظر إلى أمها بفخر.
اقتربت منها بعد الحفل وقالت
ماما، فاكرة لما قلتيلي لازم أبقى أفضل منك؟
سماح ابتسمت
أيوه.
قالت منار
أعتقد إني بدأت أفهم قصدك.
وإيه قصدك؟
إن النجاح مش إننا نكرر اللي عملتيه النجاح إننا نكمل من المكان اللي وقفتي عنده.
سماح قالت
بالضبط.
وفي تلك الليلة، رجعت سماح إلى بيتها.
وضعت مفاتيحها على الطاولة، وجلست بهدوء.
دخلت أمها منار وقالت
شكلك تعبانة.
ضحكت سماح
شوية.
قالت أمها
بس مبسوطة.
سماح نظرت إليها وقالت
جدًا.
ثم أضافت
عارفة ليه؟
ليه؟
عشان لأول مرة أحس إن حلم أبويا بقى أكبر مني.
ابتسمت منار وقالت
وده أحسن شيء ممكن يحصل.
وفي صباح اليوم التالي، كانت سماح على موعد مع قرار جديد.
قرار هيغير مستقبل المؤسسة بالكامل...
لكن المرة دي، القرار مش هيكون متعلق بالفلوس.
هيكون متعلق بشخص قريب جدًا منها بعد ثلاثة أيام، كانت سماح قاعدة في بيتها بتشرب القهوة مع أمها، لما رن تليفونها.
بصت للشاشة.
رقم غريب.
ردت
ألو؟
جاءها صوت رجل كبير في السن
مدام سماح عبدالرحمن؟
أيوه.
أنا اسمي محمود حسان.
سماح سكتت لحظة.
اسم حسان رجع في ذاكرتها فورًا.
حضرتك قريب من الأستاذ حسان اللي سلمني ملف بابا؟
أيوه، أنا ابنه.
خير؟
قال محمود
أنا لقيت حاجة تخص والدك، وكنت مأجل تسليمها لك من سنين.
سماح اتعدلت في جلستها.
تخص بابا؟
أيوه.
إيه هي؟
مش هينفع أقول في التليفون. ممكن أقابلك؟
وافقت سماح على المقابلة.
وفي اليوم التالي، راحت لمكتب محمود.
كان رجلًا هادئًا، وفي أواخر الستينات من عمره.
أول ما جلست، أخرج صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
وقال
والدي كان محتفظ بده طول حياته.
سماح فتحت الصندوق.
وجدت دفترًا قديمًا، وبعض الأوراق، وصورة لوالدها مع مجموعة من العمال.
قلبت الدفتر بحذر.
كانت الصفحات مليانة ملاحظات بخط صبري.
مشاريع.
أسماء سيدات.
أفكار لتدريب الشباب.
وأرقام بسيطة لتكاليف مشروعه القديم.
لكن في آخر الدفتر، وجدت صفحة مختلفة.
كان مكتوبًا فيها
لو المشروع ما اكتملش وأنا موجود، أتمنى بنتي تكمله يومًا ما، لكن من غير ما تشيل هم إنها لازم تعوضني عن حاجة.
سماح قرأت الجملة أكثر من مرة.
قال محمود
والدي قال لي إن صبري كان دايمًا يقول إنك لازم تختاري طريقك بنفسك.
سماح سألت
ليه ما سلمتونيش الدفتر من زمان؟
قال محمود
لأن والدي كان شايف إن الوقت المناسب هو لما تكوني وصلتي لمرحلة تعرفي فيها إن الحلم مش ملك صاحبه.
سماح بصت له باستغراب.
يعني إيه؟
يعني الحلم الحقيقي هو اللي يكمل حتى بعد ما صاحبه يمشي.
سماح أغلقت الدفتر.
وشعرت بدموعها تنزل بهدوء.
قال محمود
فيه حاجة تانية.
أخرج ورقة قديمة.
دي كانت أول دراسة مالية عملها والدك.
سماح نظرت إليها.
الأرقام كانت صغيرة جدًا مقارنة بالمشروعات الحالية.
لكنها ضحكت.
بدأ بمبلغ بسيط جدًا.
محمود ابتسم
أيوه.
قالت سماح
وأنا كنت فاكرة إن المؤسسة بدأت يوم ما أنا أسستها.
رد
لأ. هي بدأت يوم ما أبوكي كتب أول سطر في الدفتر ده.
رجعت سماح البيت ومعها الصندوق.
جلست في غرفتها لساعات.
ثم اتصلت بمنار.
قالت
تعالي عندي.
وصلت منار، ووجدت والدتها تضع الدفتر أمامها.
إيه ده؟
البداية الحقيقية.
قرأت منار الصفحات.
ثم قالت
ماما، لازم نعمل حاجة بالدفتر ده.
زي إيه؟
نحوله لمعرض دائم داخل المؤسسة.
سماح ابتسمت.
مش بس كده.
أمال؟
نعمل قسم اسمه حكاية البداية.
منار فهمت فورًا.
نحط فيه قصص الناس اللي بدأت من الصفر؟
بالضبط.
وبالفعل، بدأت الأسرة وفريق المؤسسة في تجهيز القسم الجديد.
كل شخص كان له قصة.
نور وضعت أول صورة لمشروعها.
ليلى وضعت أول فاتورة باعتها.
حنان وضعت أول قطعة صنعتها بنفسها.
وكريم وضع صورة أول خمسة شباب اشتغلوا معه.
وفي المنتصف، وُضع دفتر صبري.
تحت الدفتر كانت هناك جملة
الأحلام لا تموت عندما يغيب أصحابها، إذا وجد من يؤمن بها.
في يوم الافتتاح، وقف عدد كبير من الناس أمام المعرض.
وكانت سماح في آخر القاعة تراقبهم.
اقترب منها ياسر وقال
مبسوطة؟
جدًا.
حاسة إنك خلصتي؟
سماح ابتسمت.
لأ.
ليه؟
عشان كل مرة أفتكر إن الحكاية خلصت، حد جديد يدخل من الباب ويبدأ حكاية تانية.
في تلك اللحظة، جاءت طفلة صغيرة مع والدتها.
وقفت أمام دفتر صبري وسألت
مين الراجل ده؟
سماح اقتربت منها وقالت
ده أبويا.
هو كان غني؟
ابتسمت سماح.
لأ.
طب كان مشهور؟
لأ.
أمال ليه صورته هنا؟
سماح نظرت إلى الدفتر وقالت
لأنه كان عنده حلم.
الطفلة سألت
وحلمه حصل؟
سماح ابتسمت.
حلمه كبر أكتر مما كان يتخيل.
الطفلة ابتسمت ومشت مع والدتها.
سماح ظلت واقفة مكانها.
ثم قالت لنفسها
كده فعلًا اكتملت الحكاية.
لكن في نهاية اليوم، وهي بتقفل المعرض، لقت ظرفًا صغيرًا على مكتبها.
مفيش عليه اسم.
فتحت الظرف.
وجدت بداخله ورقة واحدة مكتوب عليها
إلى سماح عبدالرحمن... هناك شخص آخر كان يعرف والدك، ويحمل سرًا عن آخر سنة في حياته. إذا أردتِ معرفة الحقيقة، تعالي إلى العنوان المكتوب أسفل الرسالة.
سماح قرأت الرسالة مرة ثانية.
لم يكن في قلبها خوف.
لكن فضولها اشتعل.
لأنها كانت متأكدة أن هناك جزءًا من حكاية والدها لم تعرفه حتى الآن.
أخذت الورقة، ورفعت عينيها نحو صورة صبري.
وقالت
يا بابا... إيه اللي لسه مستخبي؟في اليوم التالي، لم تذهب سماح إلى العنوان وحدها.
اتصلت بياسر، وحكت له عن الرسالة.
قال فورًا
هاجي معاكي.
سماح وافقت.
وصلوا إلى العنوان، وكان عبارة عن مكتب قديم في شارع جانبي هادئ.
طرق ياسر
الباب.
فتح لهم رجل مسن.
نظر إلى سماح طويلًا، ثم قال
إنتِ بنت صبري.
سماح ردت
أيوه.
قال الرجل
أنا اسمي عادل.
ثم أضاف
وأبوك كان أعز صاحب ليا.
جلسوا في غرفة صغيرة مليئة بالملفات القديمة.
قالت سماح
حضرتك قلت في الرسالة إن عندك سر عن آخر سنة في حياة بابا.
عادل سكت قليلًا.
ثم أخرج ملفًا أزرق.
أبوكي كان بيحاول ينقذ مشروعه قبل وفاته.
سماح فتحت عينيها.
يعني المشروع كان بدأ فعلًا؟
أيوه، وكان فيه مجموعة سيدات بدأوا يتدربوا عنده بشكل بسيط.
أخرج صورًا قديمة.
كانت صورًا لورشة صغيرة، فيها عدد من السيدات يعملن على ماكينات خياطة.
سماح نظرت للصور بدهشة.
ليه ما أعرفش ده؟
قال عادل
لأن والدك ما كانش عايزك تشيلي مسؤولية أكبر من سنك.
ثم أخرج ورقة.
قبل وفاته بشهور، كتب خطة كاملة للمشروع.
سماح قرأت الورقة.
كان فيها تصور لإنشاء مركز كبير للتدريب والإنتاج.
والأغرب أن بعض الأفكار كانت تشبه ما نفذته سماح بعد سنوات.
قالت
بابا كان سابق وقته.
عادل ابتسم
جدًا.
ثم قال
لكن فيه حاجة أهم.
أخرج ظرفًا قديمًا.
ده أبوكي كتبه لي، وقال لي ما أفتحهش إلا لما تكوني كبيرة وقادرة تفهمي معناه.
سماح فتحت الظرف.
كان الخط واضحًا.
عادل، لو سماح وصلت يومًا للمكان اللي كنت بحلم بيه، قول لها إني ما كنتش مستني منها تكمل طريقي. أنا كنت مستني منها تعمل طريقها هي.
توقفت سماح عن القراءة.
قال ياسر بهدوء
أبوكي كان عايزك تكوني سماح، مش نسخة منه.
سماح ابتسمت وسط دموعها.
وأنا طول السنين دي كنت فاكرة إني بكمل حلمه.
ثم نظرت إلى الرسالة.
يمكن أنا كنت بكمل روحه، مش مشروعه.
عادل قال
وده الفرق.
قبل ما تمشي، أعطاها صندوقًا صغيرًا.
ده آخر شيء عندي.
فتحته.
كان بداخله قلم قديم.
قال عادل
أبوكي كان بيكتب بيه كل أفكاره.
سماح أخذت القلم بحذر.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت
هخليه في المعرض.
عادوا إلى المؤسسة.
وفي نفس اليوم، اجتمعت سماح مع منار ونور وليلى.
وضعت القلم أمامهم وقالت
ده كان قلم أبويا.
نور سألت
هنحطه جنب الدفتر؟
أيوه.
منار قالت
بس نكتب تحته إيه؟
سماح فكرت قليلًا.
ثم قالت
أول خطوة.
وفي اليوم التالي، أُضيف القلم إلى المعرض.
بدأ الناس يقفون أمامه، ويقرأون قصته.
لكن سماح قررت تعمل شيئًا أكبر.
أنشأت برنامجًا جديدًا باسم أول خطوة.
البرنامج كان مخصصًا لأي شخص عنده فكرة، حتى لو ما عندوش رأس مال.
وكان أول سؤال في استمارة التقديم
إيه الحلم اللي نفسك تبدأه؟
ثم يأتي بعده
إيه أول خطوة مستعد تعملها؟
انتشر البرنامج بسرعة.
وبعد عام، كان مئات الأشخاص قد بدأوا مشروعاتهم من خلاله.
وفي حفل مرور عام على البرنامج، وقفت سماح أمام الحضور.
قالت
أنا اتعلمت إن الحلم مش محتاج تبدأه وأنت مستعد لكل حاجة.
ثم رفعت القلم القديم.
الحلم محتاج بس أول خطوة.
الجمهور صفق.
وفي آخر الصفوف،
تم نسخ الرابط