في ليلة عيد ميلادهم الـ18

لمحة نيوز

تدوري على طريق أحسن.
أغلقت الدفتر.
وفي طريق عودتها، رن هاتفها.
كانت منار.
ماما، في بنت جديدة وصلت الأكاديمية.
ومالها؟
بتقول إنها خايفة تبدأ.
سماح ضحكت.
قولي لها تبدأ بخطوة واحدة.
قالت إنها خايفة تفشل.
قولي لها الفشل مش نهاية.
وقالت إنها مش معاها فلوس.
قولي لها المؤسسة اتعملت عشان الناس اللي بتبدأ من الصفر.
منار سكتت لحظة.
ثم قالت
عارفة يا ماما؟
إيه؟
إنتِ لسه بتقولي نفس الكلام اللي كنتي بتقوليه من عشرين سنة.
ابتسمت سماح.
لأن الكلام الصح ما بيقدمش.
أغلقت الهاتف، ونظرت إلى الشارع.
كان أمامها أطفال بيلعبوا، وأمهات راجعة من السوق، وشباب بيبدأوا يومهم.
الحياة كانت عادية جدًا.
لكن سماح كانت ترى فيها شيئًا مختلفًا.
كانت ترى البدايات.
كل شخص في الشارع كان عنده حكاية لم تبدأ بعد.
وهنا فهمت أن نجاحها الحقيقي لم يكن في أنها أصبحت مديرة، ولا في الأموال، ولا في الشهرة.
نجاحها الحقيقي أنها حولت وجعًا قديمًا إلى طريق جديد لناس كتير.
وفي المساء، وقفت أمام صورة والدها في بيتها.
قالت
يا بابا، يمكن ما قدرتش أعيش الحياة اللي كنت متخيلها ليا.
ثم ابتسمت.
لكن الحمد لله، قدرت أعيش الحياة اللي اخترتها بنفسي.
وبصت للصورة مرة أخيرة.
وأنا لسه سماح بنتك.
ثم أغلقت دفترها.
ومن اليوم ده، لم تعد سماح تبحث عن نهاية لحكايتها.
لأنها عرفت أن بعض الحكايات لا تنتهي.
تفضل مستمرة في كل شخص تعلم، وكل مشروع بدأ، وكل أسرة استقرت، وكل شاب آمن بنفسه.
وهكذا، البنت التي قيل لها يومًا
إنتِ فقيرة ومش من مقامي.
لم تعد تهتم بمن قالها.
لأنها اكتشفت أن قيمتها لم تكن يومًا في المال.
قيمتها كانت في قلبها، وفي أخلاقها، وفي تعبها، وفي الأثر الذي تركته وراءها.
وكانت تلك هي النهاية الحقيقية...
أن سماح لم تعد تحتاج أن تثبت لأي شخص أنها تستحق.
لأن آلاف الناس أصبحوا الدليل.
النهاية لكن بعد ما افتكرت سماح إن حياتها أخيرًا دخلت مرحلة هدوء، حصل شيء ما كانتش تتوقعه.
في صباح يوم، اتصلت بها منار.
ماما، لازم تيجي المؤسسة بسرعة.
سماح اتوترت.
حصل إيه؟
مش عارفة أشرح لك في التليفون.
وصلت سماح بعد وقت قصير.
دخلت قاعة الاجتماعات، فوجدت منار ونور وليلى وعددًا من أعضاء مجلس الأمناء.
وعلى الشاشة الكبيرة كان ظاهر ملف قديم.
سألت سماح
إيه ده؟
منار قالت
فاكرة مشروع أبوكي القديم؟
أيوه.
اكتشفنا إن فيه جزء من المشروع ما اتنفذش.
سماح اقتربت من الشاشة.
كان هناك مخطط لمدينة صغيرة متكاملة، فيها ورش تدريب، ومساكن مؤقتة، ومركز رعاية للأطفال، ومكاتب لتسويق منتجات أصحاب المشروعات.
سماح قالت بدهشة
بابا كان مخطط لكل ده؟
نور ردت
والأغرب إن المكان اللي كان محدده للمشروع لسه موجود.
سماح سكتت.
فين؟
منار عرضت الخريطة.
كان المكان في أطراف القاهرة، على أرض قديمة كانت مهملة من سنين.
قالت ليلى
الأرض دي اتعرضت للبيع.
سماح بصت للملف.
مين المالك؟
ساد الصمت.
ثم قالت منار
إحنا.
سماح رفعت رأسها بسرعة.
إزاي؟
المؤسسة اشترتها من فترة ضمن صفقة قديمة، لكن محدش كان يعرف إن دي نفس الأرض اللي أبوكي كتب عنها.
سماح جلست بهدوء.
كانت تشعر أن الماضي عاد مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن يحمل ألمًا.
كان يحمل فرصة.
قالت
يبقى لازم نكمل آخر جزء.
ياسر دخل الاجتماع في تلك اللحظة.
قال
كنت مستني القرار ده.
سماح ابتسمت
إنت كنت عارف؟
منار كلمتني من بدري.
ثم وضع ملفًا أمامها.
وأنا بدأت أعمل دراسة مبدئية للتكلفة.
سماح نظرت إليه.
إنتوا مخططين لكل حاجة من غيري؟
منار ضحكت
اتعلمنا منك.
بدأ المشروع بالفعل.
لكن هذه المرة، سماح لم تكن صاحبة القرار.
كانت مستشارة فقط.
منار تولت الإدارة.
نور تولت التدريب.
ليلى تولت التسويق.
وياسر تولى الجانب الاستثماري.
أما سماح، فكانت تتابع من بعيد.
وفي أول يوم للبناء، وقفت أمام الأرض الواسعة.
كان المكان خاليًا تقريبًا.
رفعت منار المخطط وقالت
هنا هيكون مركز التدريب.
وأشارت نور
وهنا الورش.
وقالت ليلى
وهنا معرض المنتجات.
سماح ابتسمت.
وأين يكون المكان اللي الناس ترتاح فيه؟
منار أشارت إلى الجانب الآخر.
هنا.
سماح هزت رأسها بإعجاب.
كده المشروع بقى كامل.
مرت شهور طويلة.
واجه المشروع مشاكل كثيرة.
ارتفاع تكاليف البناء.
تأخر بعض المعدات.
صعوبة الحصول على بعض التراخيص.
وفي إحدى الليالي، اتصلت منار بأمها.
ماما، أنا تعبت.
سماح قالت
عارفة.
حاسة إن المشروع أكبر مني.
طبيعي.
يمكن أوقف.
سماح سكتت لحظة.
ثم قالت
فاكرة أول مرة أنا قلت لك فيها إن الخوف مش معناه إنك ترجعي؟
أيوه.
يبقى قومي كملي.
منار قالت
بس إنتِ مش خايفة؟
خايفة.
وإزاي بتكملي؟
عشان الحاجات المهمة عمرها ما بتكون سهلة.
في اليوم التالي، عادت منار للعمل.
وبعد عامين كاملين، انتهى البناء.
أقيم حفل الافتتاح.
وعلى البوابة الكبيرة كُتب
مدينة صبري للأمل والتدريب.
وقفت سماح أمام اللافتة طويلًا.
اقترب منها ياسر وقال
أبوكي كان هيبقى سعيد.
سماح ابتسمت.
أيوه.
ثم نظرت إلى منار ونور وليلى.
بس أنا أسعد.
ليه؟
عشان المشروع ده ما بقاش حلم أبويا ولا حلمي.
ثم أشارت إليهن.
بقى حلم جيل كامل.
وفي يوم الافتتاح، دخل أول مجموعة من الشباب والسيدات.
كانت بينهم فتاة صغيرة تنظر حولها بانبهار.
سألت سماح
المكان ده معمول ليه؟
سماح قالت
عشان اللي عنده حلم وما يعرفش يبدأ.
ولو حلمي صغير؟
ابتسمت سماح.
كل الأحلام الكبيرة بدأت صغيرة.
ولو فشلت؟
تحاولي تاني.
ولو الناس قالت إني مش هقدر؟
سماح نظرت إليها بثقة وقالت
ساعتها تسمعي نفسك أكتر منهم.
الفتاة ابتسمت.
ودخلت من البوابة.
وقفت سماح تتابعها.
ثم قالت لياسر
فاكر أول مرة حد قال لي إني مش هقدر؟
فاكر.
دلوقتي بقى عندي مكان كامل أقول فيه للناس إنهم يقدروا.
ضحك ياسر
دي أحسن إجابة.
وفي آخر اليوم، جلست سماح أمام صورة والدها داخل المبنى الجديد.
وضعت القلم القديم بجوار الصورة.
وقالت
يا بابا، أنا كنت فاكرة إن الحكاية انتهت من زمان.
سكتت لحظة.
طلعت الحكاية كل ما تخلص، تبدأ من جديد مع حد تاني.
ثم ابتسمت.
ودي أجمل نهاية ممكنة.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت مدينة صبري للأمل واحدة من أهم مشروعات المؤسسة.
ولم تعد سماح تُعرف فقط بأنها المرأة التي نجحت بعد ظروف صعبة.
أصبحت تُعرف بأنها المرأة التي
جعلت نجاحها طريقًا لنجاح الآخرين.
أما الجملة القديمة التي كانت يومًا سببًا في بكائها
إنتِ فقيرة ومش من مقامي.
فقد اختفت تمامًا من ذاكرتها.
لأن سماح اكتشفت أن الإنسان لا يحتاج أن يثبت أنه أعلى من أحد.
يكفي أن يكون اليوم أفضل من أمس.
وأن يترك وراءه بابًا مفتوحًا لشخص آخر.
وهكذا...
بدأت سماح من حارة صغيرة في شبرا.
وخسرت أشياء كثيرة في بداية حياتها.
لكنها في النهاية كسبت شيئًا أكبر بكثير
حياة لها معنى، واسمًا ترك أثرًا، وحلمًا لا يموت.
النهاية مرت سنوات، وأصبحت مدينة صبري للأمل نموذجًا ناجحًا في تدريب الشباب والسيدات ومساعدتهم على بداية مشروعاتهم.
وفي يوم، أقيم احتفال كبير بمناسبة مرور عشرين سنة على بداية مؤسسة صبري عبدالرحمن.
امتلأت القاعة بالناس الذين تغيرت حياتهم بسبب المؤسسة.
كانت سماح تجلس في الصف الأول بجوار أمها، وياسر، ومنار، وأمنية.
صعدت منار إلى المسرح وقالت
النهارده مش بنحتفل بمؤسسة بس إحنا بنحتفل بحلم بدأ من راجل بسيط، وكملته بنت رفضت تستسلم.
ثم ظهرت على الشاشة صورة قديمة لسماح وهي في محل الطرح.
سكتت القاعة.
وبعدها ظهرت صور المؤسسة، والأكاديمية، والمشروعات، وآلاف الناس الذين استفادوا منها.
صعدت سماح إلى المسرح.
وقفت أمام الميكروفون وقالت
لما كنت صغيرة، كنت فاكرة إن أكبر مشكلة في حياتي هي الفقر.
ثم ابتسمت.
لكن بعد سنين فهمت إن الفقر الحقيقي مش إنك ما تملكش فلوس الفقر الحقيقي إنك تفقد الأمل.
نظرت إلى أمها.
وأنا كان عندي أم ما سمحتليش أفقد الأمل.
ثم نظرت إلى صورة والدها.
وكان عندي أب علمني إن الإنسان ممكن يكون بسيط، لكن حلمه كبير.
وبصت إلى ياسر.
وكان عندي شخص أخطأ في حقي، لكنه عرف يتغير ويصلح غلطه.
ثم قالت
لكن أهم شخص في الحكاية كلها كان أنا البنت اللي قررت تقوم كل مرة وقعت فيها.
ساد الصمت للحظات.
ثم ارتفع التصفيق.
بعد انتهاء الحفل، خرجت سماح إلى فناء المؤسسة.
كان هناك عشرات الشباب يتناقشون حول مشروعاتهم.
وشاهدت فتاة صغيرة تشرح فكرتها لمجموعة من المدربين.
ابتسمت.
اقتربت منها منار وقالت
ماما، مبسوطة؟
سماح ردت
جدًا.
ليه؟
نظرت إلى المكان وقالت
عشان بقيت أشوف حلم أبويا في عيون ناس كتير.
وفي المساء، عادت سماح إلى بيتها.
جلست أمام صورة والدها، وبجانبها الدفتر والقلم القديم.
قالت
يا بابا، فاكر لما كنت بتقول إن أهم حاجة الإنسان يفضل طيب؟
ابتسمت.
حاولت أعمل كده طول عمري.
ثم قالت
ويمكن ما قدرتش أحقق كل أحلامك بس قدرت أعمل حلمي أنا.
دخلت منار وقالت
ماما، جاهزة؟
لفين؟
نروح الأكاديمية.
دلوقتي؟
في مجموعة شباب مستنيينك.
ضحكت سماح.
حتى بعد عشرين سنة مش هتسيبوني أرتاح؟
منار ابتسمت
إنتِ اللي علمتينا إن الشغل الحلو ما بيخلصش.
وقفت سماح، أخذت دفترها، وخرجت معها.
وقبل ما تقفل الباب، نظرت إلى صورة والدها للمرة الأخيرة.
وقالت
تصبح على خير يا بابا.
ثم خرجت.
وفي
طريقها، مرت بجوار الحارة القديمة.
توقفت للحظة أمام المكان الذي بدأت فيه قصتها.
تذكرت البنت الصغيرة التي كانت تمشي بكتبها، والشنطة القديمة، والملابس البسيطة، والأحلام الكبيرة.
ابتسمت وقالت
كنتِ خايفة ليه يا سماح؟
ثم تابعت طريقها.
لم تعد تنتظر اعتذارًا من أحد.
ولم تعد تريد أن تثبت أنها تستحق.
فقد أصبحت تعرف أن قيمتها لم تكن يومًا في المال، ولا في المكانة، ولا في رأي الآخرين.
قيمتها كانت في أنها وقفت بعد كل سقوط، وساعدت غيرها يقف معها.
ومن يومها، بقيت الجملة المكتوبة على باب المؤسسة
ابدأ بخطوة وسيأتي الطريق.
وكانت تلك هي النهاية الحقيقية لحكاية سماح.
مش إنها أصبحت غنية.
ومش إنها انتصرت على شخص تركها.
لكن لأنها بدأت من الصفر، ووصلت إلى مكان جعل آلاف الناس يؤمنون بأن الصفر نفسه يمكن أن يكون بداية.
النهاية

تم نسخ الرابط