في ليلة عيد ميلادهم الـ18

لمحة نيوز

كانت منار الصغيرة تتابع والدتها.
كانت قد أصبحت شابة، وبدأت تتحمل مسؤوليات أكبر في المؤسسة.
بعد الحفل، قالت لها
ماما، عارفة إيه أكتر حاجة عجبتني في قصة جدو؟
إيه؟
إنه ما كانش مستني حد يكمل حلمه.
سماح ابتسمت.
أيوه.
كان عايز كل واحد يعمل حلمه بنفسه.
سماح قالت
ودي أهم حاجة لازم نفتكرها.
وفي المساء، عادت سماح إلى بيتها.
وضعت القلم والدفتر أمام صورة والدها.
وقالت
كنت فاكرة إني بدور على آخر جزء من حكايتك.
ثم ابتسمت.
لكن طلعت بدور على أول جزء من حكايتي أنا.
دخل ياسر الغرفة.
قال
خلصت الرحلة؟
سماح ردت
لأ.
لسه؟
ضحكت.
طول ما في حد عنده حلم، الرحلة مش هتخلص.
ثم أغلقت الدفتر.
وفي اليوم التالي، فتحت المؤسسة أبوابها من جديد.
لكن هذه المرة، لم تكن سماح هي التي تنتظر أصحاب الأحلام.
كان الجيل الجديد هو الذي يقف في المقدمة.
وسماح كانت تراقب من بعيد، وهي تشعر للمرة الأولى أن كل ما بنته لن يسقط برحيلها.
لأن الحلم لم يعد ملكها.
أصبح ملك كل شخص آمن أن البداية الصغيرة ممكن تصنع مستقبلًا كبيرًا.
وهنا فهمت سماح أن أجمل نهاية لأي قصة...
إنها تتحول إلى بداية لقصة شخص آخر في صباح اليوم التالي، دخلت سماح المؤسسة وهي بتفكر في الجملة الأخيرة اللي قالتها لنفسها.
كان القرار متعلق بشخص قريب جدًا منها.
ولما دخلت مكتبها، لقت ياسر مستنيها.
قالت
شكلك مستعجل.
رد
عشان الموضوع مهم.
قول.
حط قدامها ملف.
أنا عايز أسيب إدارة شركتي الحالية.
سماح اتفاجئت.
ليه؟
عشان أبدأ مشروع جديد.
فتحت الملف، وبدأت تقرأ.
كان المشروع عبارة عن شركة متخصصة في مساعدة المشروعات الصغيرة على التسويق والتوسع.
سماح قالت
وإيه علاقة ده بالمؤسسة؟
قال ياسر
عايز أخلي جزء من أرباح الشركة يروح لصندوق المؤسسة بشكل ثابت.
سماح سكتت.
ثم قالت
إنت متأكد؟
جدًا.
المشروع محتاج وقت ومجهود.
عارف.
وممكن تخسر.
عارف برضه.
سماح ابتسمت.
زمان كنت بتخاف تخسر فلوسك.
ياسر ضحك.
دلوقتي بقيت بخاف أخسر وقتي في حاجة ملهاش معنى.
بدأ ياسر مشروعه الجديد من الصفر.
رفض يعتمد على اسم والده أو علاقاته القديمة.
استأجر مكتبًا صغيرًا، واختار فريقًا شابًا، وبدأ يتعامل مع العملاء بنفسه.
وفي أول شهور، الأمور كانت صعبة.
جاء يوم وقال فيه لسماح
المشروع مش ماشي زي ما توقعت.
قالت
طبيعي.
يعني ممكن أفشل.
ممكن.
ومش خايفة عليا؟
ابتسمت
لأ.
استغرب.
ليه؟
عشان أنا عارفة إنك لو وقعت، هتقوم.
كانت الجملة كفاية إنه يرجع لشغله تاني.
ومع الوقت، بدأت الشركة تحقق نجاحًا حقيقيًا.
لكن المفاجأة الأكبر جاءت بعد سنتين.
وصل لسماح خطاب من مجلس الإدارة.
كان فيه اقتراح بتعيين منار ابنتها كنائبة لرئيس المؤسسة.
سماح قرأت الخطاب أكثر من مرة.
ثم قالت
لأ.
منار التي كانت موجودة في المكتب سألت
ليه؟
قالت سماح
عشان اسمك مش كفاية.
منار ردت
أنا اشتغلت هنا سنين.
عارفة.
واتعلمت كل الأقسام.
عارفة.
وعندي خبرة.
سماح ابتسمت.
وعشان كده لو هتوصلي للمنصب، لازم توصلي له بقرار المجلس، مش عشان إنتِ بنتي.
منار سكتت.
وفي اجتماع مجلس الإدارة، خرجت سماح من التصويت.
تركَت القرار للأعضاء.
وبعد نقاش طويل، تمت الموافقة على تعيين منار.
رجعت سماح البيت وهي مرتاحة.
قالت لها أمها
كنتِ خايفة عليها؟
لأ.
أمال؟
كنت خايفة الناس تقول إن نجاحها بسبب اسم أمها.
قالت منار
بس أنا هثبت العكس.
سماح ابتسمت
وده المطلوب.
بعد فترة، أصبحت منار مسؤولة عن قطاع كامل داخل المؤسسة.
وبدأت تعمل أفكار جديدة.
أولها كان تطبيق إلكتروني يربط أصحاب المشروعات الصغيرة بالمدربين والمستشارين.
الفكرة نجحت جدًا.
وبقى أي شاب في قرية بعيدة يقدر يستفيد من خبراء المؤسسة من غير ما يسافر.
وفي يوم، وصلت رسالة لسماح من شاب اسمه كريم
أنا كنت فاكر إن المكان اللي اتولدت فيه هو اللي هيحدد مستقبلي. البرنامج ساعدني أبدأ مشروعي، ودلوقتي شغلت خمسة شباب معايا.
سماح قرأت الرسالة، وابتسمت.
ثم قالت لمنار
هو ده اللي كنت بحلم بيه.
قالت منار
وأنا كمان.
وفي المساء، اجتمعت الأسرة كلها.
ياسر قال
عندي خبر.
سماح قالت
خير؟
الشركة قررت تمول مية مشروع جديد من خلال المؤسسة.
أمنية قالت
مية مشروع؟
أيوه.
سماح بصت للجميع وقالت
شايفين؟
منار سألت
إيه؟
زمان كان عندنا حلم واحد.
ثم ابتسمت.
دلوقتي بقينا بنصنع أحلام لناس كتير.
ساد الهدوء لحظات.
ثم قالت أمها
أبوكي كان نفسه يشوف اليوم ده.
سماح رفعت عينيها ناحية صورة صبري.
وقالت بهدوء
وأنا متأكدة إنه شايفه.
مرت السنوات.
وأصبح اسم المؤسسة معروفًا في كل مكان.
لكن سماح بدأت تشعر أن وقتًا جديدًا من حياتها يقترب.
كانت تريد أن تتوقف عن كونها الشخص الأول في كل قرار.
كانت تريد أن تترك المكان للجيل الجديد.
وفي أحد الاجتماعات، قالت
عندي قرار.
الجميع سكت.
بعد ستة أشهر، هتنتهي مهمتي كرئيسة تنفيذية للمؤسسة.
منار اتفاجئت.
ماما!
سماح ابتسمت.
متخافيش.
ياسر سأل
وإنتِ هتعملي إيه؟
قالت
هفضل في مجلس الأمناء، لكن الإدارة اليومية هتكون مسؤوليتكم.
ثم نظرت إلى منار ونور وليلى.
المؤسسة دي مش لازم تفضل مرتبطة بشخص واحد.
وأضافت
لازم تبقى فكرة بتعيش بعد أصحابها.
وفي اليوم الذي تركت فيه سماح مكتبها القديم، لم تأخذ معها إلا صورة والدها ودفترها الأول.
خرجت من الباب ببطء.
ثم وقفت أمام اللافتة الكبيرة.
مؤسسة صبري عبدالرحمن.
ابتسمت.
وقالت
كده أقدر أقول إن الحلم بقى في أيد أمينة.
ولأول مرة منذ سنوات، رجعت سماح إلى بيتها من غير ملفات، ولا اجتماعات، ولا مكالمات عمل.
جلست بجوار أمها.
قالت منار
ارتحتي؟
ضحكت سماح
لسه بجرب.
ثم نظرت إلى ابنتها وقالت
دلوقتي دوري أتعلم أعيش لنفسي شوية.
لكنها لم تكن تعرف أن بعد أيام قليلة، ستصلها رسالة من شخص لم تسمع عنه منذ سنوات طويلة...
رسالة ستفتح أمامها بابًا من الماضي ظنت أنه أُغلق إلى الأبد مرت خمس سنوات أخرى.
كانت مؤسسة صبري عبدالرحمن قد أصبحت أكبر من أي وقت مضى، لكن سماح كانت تعيش بهدوء بعيدًا عن الأضواء.
كانت تزور الفروع من وقت لآخر، وتجلس مع المتدربين، وتتابع المشاريع الجديدة، لكنها لم تعد صاحبة القرار الأول.
كانت منار تدير جزءًا كبيرًا من المؤسسة، ونور وليلى أصبحتا من أهم المسؤولين عن برامج المشروعات.
أما ياسر، فكان مشروعه قد توسع وأصبح من أكبر الشركات التي
تدعم أصحاب المشروعات الصغيرة.
وفي صباح يوم، وصل لسماح خطاب رسمي.
فتحته بهدوء.
كان من مجلس إدارة المؤسسة.
وكان عنوان الخطاب
قرار إنشاء مجلس أمناء دائم باسم صبري عبدالرحمن.
قرأت سماح التفاصيل.
المجلس الجديد لن يكون مرتبطًا بشخص واحد، وسيضم مجموعة من الشباب والسيدات الذين استفادوا من المؤسسة ونجحوا في مشروعاتهم.
ابتسمت.
اتصلت بمنار وقالت
إنتِ اللي عملتي القرار ده؟
منار ضحكت
أنا ونور وليلى.
ومن غير ما تقولولي؟
عايزين نفاجئك.
سماح قالت
أحسن مفاجأة في حياتي.
وفي يوم الاحتفال، امتلأت القاعة بالناس.
صعدت منار إلى المسرح وقالت
النهارده مش بنكرم سماح عبدالرحمن باعتبارها مؤسسة المكان.
ثم سكتت لحظة.
إحنا بنكرمها باعتبارها أول واحدة آمنت إن الخير ممكن يكبر لو اتشاركنا فيه.
صفق الجميع.
ثم قالت
لكن عندنا مفاجأة أخيرة.
ظهرت على الشاشة صورة قديمة جدًا لصبري.
وبجانبها صورة لسماح وهي صغيرة في محل الطرح.
ثم ظهرت صور نور وليلى وحنان وكريم، وبعدها صور المئات من أصحاب المشروعات.
وفي النهاية ظهرت جملة
من حلم رجل بسيط... إلى مستقبل آلاف الناس.
سماح ظلت صامتة.
ثم صعدت إلى المسرح.
قالت
أنا مش عايزة الناس تفتكر إن قصتي بدأت يوم ما بقيت مديرة.
ثم ابتسمت.
قصتي بدأت يوم ما كنت بنت صغيرة مش عارفة المستقبل مخبي لها إيه.
وأضافت
واتعلمت إن الإنسان مش لازم يعرف آخر الطريق عشان يبدأ.
نظرت إلى منار.
يكفي يعرف أول خطوة.
ثم نظرت إلى صورة والدها.
وأبويا علمني أهم درس من غير ما يقول لي كلمة واحدة إن الإنسان ممكن يكون بسيط، لكن حلمه يكون كبير.
ساد الصمت في القاعة.
وقالت
لو فيه حاجة واحدة أتمنى تفضل بعدي، فهي مش اسمي.
أتمنى تفضل الفكرة.
ثم أكملت
إن أي شاب أو بنت يدخلوا من باب المؤسسة وهم فاكرين إن ظروفهم أقوى منهم، يخرجوا وهم عارفين إن عندهم فرصة.
ارتفع التصفيق من جديد.
بعد الحفل، خرجت سماح إلى الشارع.
كان المساء هادئًا.
وجدت ياسر واقفًا ينتظرها.
قال
مبروك.
ابتسمت
على إيه؟
على إنك أخيرًا بقيتي من غير منصب.
ضحكت.
دي كانت أمنية عندك؟
لأ، دي أمنية عندي من زمان.
ليه؟
قال
عشان أشوفك عايشة من غير ما تشيلي الدنيا كلها على كتفك.
سماح نظرت إلى المبنى.
بس أنا مش هبعد.
عارف.
هفضل أزورهم.
وعارف.
وهتدخل في كل حاجة؟
ضحك
طبعًا.
قالت
يبقى مفيش فايدة.
ضحكا معًا.
وفي اليوم التالي، ذهبت سماح إلى الحارة القديمة.
وقفت أمام محل الطرح الذي بدأت فيه قصتها.
كان المحل قد تغير قليلًا، لكن المكان نفسه ظل كما هو.
جلست على المقعد القديم.
مرت أمامها ذكريات كثيرة.
أبوها.
أمها.
أمنية.
طنط فوزية.
المعهد.
الكتب القديمة.
واللحظة التي شعرت فيها أن الدنيا أغلقت كل أبوابها.
لكنها هذه المرة لم تتذكر الألم.
تذكرت فقط الطريق الذي جاء بعده.
أخرجت من حقيبتها دفترًا صغيرًا.
وكتبت
إلى سماح الصغيرة...
ثم توقفت.
وأكملت
ما تخافيش من البدايات الصعبة. مش كل باب بيتقفل بيكون خسارة. أحيانًا الباب المقفول بيجبرك
تم نسخ الرابط