جوزي حكايات مني السيد
جوزي استغل فقداني للذاكرة وخلّاني خدامة في بيتي لمدة 3 سنين لكن اللي حصل بعد ما وقعت على السلم كشف سرّ محدش كان يتخيله!
الجزء الأول الست اللي نسيت حقيقتها
هاتيلي كوباية مية يا ياسمين! ولما تخلصي، امسحي الأرض واخرجي بره الأوضة! أنا عايز أقعد لوحدي!
صړخ هشام الشناوي في وشي، وهو قاعد على سريري، ماسك موبايله وبيتكلم في مكالمة شغل مهمة، بينما شنطة هدومه مرمية على الأرض، وأوراقه متكومة فوق التسريحة، كأن الأوضة دي مكتبه الخاص، مش أوضتي أنا!
أما دينا، بنت مرات أبويا من جوازها الأول، فكانت قاعدة على الكرسي قدام المراية، بتقلب في علب المكياج بتاعتي، وكأنها صاحبة البيت.
بصتلي من انعكاس المراية وقالت ببرود
وبالمرة يا ياسمين، بعد ما تجيبي المية، انزلي اعمليلنا قهوة. هشام عنده شغل كتير النهارده، ومش ناقصة ۏجع دماغ.
بصيتلها في صمت، وبعدين هزيت راسي ومشيت ناحية الباب.
يمكن تستغربوا إزاي واحدة تسمح لجوزها وأهل بيتها يعاملوها بالطريقة دي، لكن الحقيقة إن حياتي اتقلبت من تلات سنين، يوم ما فقدت ذاكرتي في حاډثة غريبة.
أنا اسمي ياسمين الجوهري، عندي 32 سنة، وحفيدة الحاج محمود الجوهري، واحد من رجال الأعمال المعروفين في مجال العقارات والأراضي في مصر.
قبل الحاډثة، كنت واحدة تانية خالص.
كنت بشتغل مع جدي في شركات العيلة، وبراجع العقود والحسابات، وبشارك في اتخاذ قرارات مهمة تخص استثماراتنا. جدي كان دايمًا يقول إن عندي قدرة غريبة على ملاحظة التفاصيل اللي محدش بياخد باله منها.
وكان بيقوللي بابتسامة
يا ياسمين، الفلوس ممكن تتعوض، إنما العقل اللي يعرف يحافظ عليها هو الثروة الحقيقية.
كنت بحب شغلي، وبحب جدي، وكنت متخيلة إن حياتي هتفضل ماشية بالشكل ده.
لحد ما اتعرضت لحاډثة عند بحيرة قارون في الفيوم.
كنت هناك في رحلة قصيرة، ولأسباب محدش قدر يحددها بشكل قاطع، وقعت في المية وخبطت راسي جامد.
لما فوقت في المستشفى، اكتشفت إني مش قادرة أفتكر تفاصيل كتير من حياتي. كنت ساعات أعرف أشخاص من عيلتي، وساعات أحس إنهم غرباء عني. وكنت بنسى حاجات حصلت من دقائق، وأتلخبط في أسماء وأماكن كنت أعرفها كويس.
الدكاترة قالوا إن إصابة الرأس أثرت على ذاكرتي، وإن حالتي محتاجة متابعة وتأهيل، وإن التحسن ممكن ياخد وقت.
جدي وقتها انهار من العياط لما شافني مش عارفاه.
مسك إيدي وقال بصوت مبحوح
أنا جدك يا حبيبتي محمود، اللي كان بيجيبلك الشوكولاتة وإنتِ صغيرة، فاكرة؟
ماكنتش فاكرة.
لكن لما شفت دموعه، حسيت بحزن شديد من غير ما أفهم سببه.
أما هشام، جوزي، فكان أول واحد وقف جنبي بعد الحاډثة.
كان يروح معايا للدكاترة، ويقعد جنبي في المستشفى، ويقول لكل اللي يسأله إنه مش هيسيبني أبدًا.
قدام الناس، كان الزوج المثالي اللي ضحّى براحته عشان مراته المړيضة.
لكن بعد ما رجعنا الفيلا في التجمع الخامس، بدأت أشوف وش تاني منه.
في البداية، كان بيقولي إني محتاجة أرتاح، وإن الأفضل أبعد عن شغل الشركات لحد ما أتعافى.
وبعدها بدأ يمنعني من حضور الاجتماعات العائلية، بحجة إن الزحمة والتوتر ممكن يتعبوني.
وبعدين بقى هو اللي يرد على مكالمات جدي، ويقول له إني نايمة أو مش قادرة أتكلم.
ولما كنت أعترض، كان يبتسم ابتسامة باردة ويقول
يا ياسمين، إنتِ مش فاكرة حتى إنتِ كنتِ بتعملي إيه إمبارح. سيبي إدارة الأمور للي فاهمين، وإنتِ ارتاحي.
ومع مرور الشهور، لقيت نفسي بعيدة عن كل حاجة كنت أعرفها.
مبقتش عارفة حساباتي في البنوك، ولا تفاصيل ممتلكاتي، ولا حتى مكان الملفات المهمة بتاعتي.
كل ما أسأله عن حاجة، يرد بنفس الجملة
إنتِ نسيتي يا حبيبتي.
لحد ما بقيت أشك في نفسي.
يمكن فعلًا أنا مش قادرة أقرر حاجة.
يمكن فعلًا محتاجة حد يدير حياتي مكاني.
وده كان أكبر غلط وقعت فيه.
لأن هشام استغل مرضي عشان يسيطر على كل تفاصيل حياتي، ويحوّلني بالتدريج من شريكة في إدارة ثروة كبيرة إلى واحدة بتخدمه في بيتي.
أما دينا، فكانت بتزورني باستمرار بحجة إنها خاېفة عليّا.
وبعد فترة، بدأت تقعد في الفيلا بالساعات، وتدخل أوضتي من غير استئذان، وتتصرف كأن من حقها تستخدم أي حاجة تخصني.
ولما كنت أسأل هشام عن سبب تدخلها في كل حاجة، كان يرد بعصبية
دينا بتساعدنا! بدل ما تشكريها، إنتِ بتتلككي لها؟
كنت بسكت، لأني فعلًا ماكنتش فاكرة تفاصيل علاقتي القديمة بيها، ولا كنت قادرة أحدد إذا كانت تصرفاتها طبيعية أو لأ.
لكن مع الوقت، بدأت ألاحظ حاجة غريبة.
هشام كان بيطلب مني أرتب أوراقه، وأجهز له القهوة، وأنضف مكتبه، وأغسل الأكواب اللي بيسيبها في كل مكان.
ولو نسيت حاجة، كان يزعق ويهينني.
أما دينا، فكانت بتتكلم معايا كأني طفلة صغيرة مش فاهمة الدنيا.
وفي كل مرة أحاول أتكلم مع جدي، هشام كان يقف جنبي، ويرد على الأسئلة بدالي، ويقول له إن حالتي لسه صعبة.
لحد ما في يوم، جدي قال لي في التليفون
يا ياسمين، أنا عايز أشوفك لوحدنا شوية. في كلام مهم لازم نتكلم فيه.
قبل ما أقدر أرد، هشام أخد الموبايل من إيدي وقال له
حاضر يا حاج، أول ما حالتها تتحسن هاجيبهالك.
وبعد ما قفل، بصلي پغضب وقال
إنتِ مش هتروحي أي مكان من غير ما أعرف. مفهوم؟
هزيت راسي، لكن لأول مرة، حسيت پخوف مختلف.
مش خوف من صوته.
خوف من إني أكون فقدت ذاكرتي فعلًا، لكن في نفس الوقت فيه حاجات كتير حواليا مش منطقية.
ليه جوزي بيبعدني عن جدي؟ وليه كل ما أحاول أفتكر حياتي القديمة، بيتعصب؟
ماكانش عندي إجابة.
لكن اللي حصل في اليوم ده كان بداية النهاية لكل الأكاذيب اللي عشت جواها.
كنت داخلة أوضتي عشان ألم الكوبايات اللي هشام سايبها على الترابيزة، لما لقيته قاعد على السرير، بيتكلم في التليفون بصوت واطي.
أول ما شافني، قفل المكالمة بسرعة وقال
إنتِ بتعملي إيه هنا؟
اتوترت وقلت
داخلة ألم الكوبايات.
أشار ناحية الترابيزة بعصبية
طب خلصي بسرعة، وبعدها انزلي امسحي الصالة. فيه ضيوف ممكن يجوا النهارده، ومش عايز أشوف البيت بالشكل ده.
دينا كانت واقفة جنب الدولاب، ماسكة ملف بني قديم.
ولما شافتني، خبّت الملف ورا ضهرها بسرعة.
أنا لاحظت الحركة، لكن ماعلقتش.
قربت من الترابيزة ومديت إيدي عشان ألم الكوبايات، لكن إيدي كانت بتترعش من التوتر.
وفجأة، كوباية وقعت مني واتكسرت على الأرض.
هشام قام من مكانه بعصبية شديدة.
إنتِ حتى مش عارفة تلمي كوباية من غير ما تكسريها؟! هو أنا متجوز واحدة تساعدني ولا متجوز مصېبة ماشية على رجلين؟!
حاولت أعتذر وأنا بانحني ألم القطع الكبيرة، لكنه زعق
سيبيها! إنتِ هتجرحي نفسك كمان، وساعتها هنفضل نلف على الدكاترة بسببك!
دينا ضحكت ضحكة خفيفة وقالت
سيبها يا هشام، هي مش بإيدها. إنت عارف إنها مبقتش زي الأول.
لكن نبرة صوتها ماكانش فيها أي تعاطف.
كانت بتتكلم كأنها بتستمتع بإحراجي.
قمت من مكاني وقررت أخرج من الأوضة، لكن هشام اتحرك بسرعة وهو بيشاور ناحية الباب، وخبط في كتفي بقوة.
اختل توازني، ورجلي زحلقت على طرف السجادة.
حاولت أمسك في الدرابزين، لكن إيدي ماوصلتش له.
وقعت على درجات السلم الرخامي، وراسي خبطت في الحافة.
في اللحظة دي، حسيت پألم شديد، وبعده الدنيا بدأت تلف بيا.
سمعت دينا بتصرخ
هشام! هي وقعت!
لكن بدل ما أسمع صوت خطواته
وهو بيجري يساعدني، سمعت صوته متوتر وهو بيقول
استني! محدش ېلمس حاجة!
حاولت أفتح عيني، وشفت هشام واقف فوق السلم، بيبصلي بارتباك.
أما دينا، فكانت ماسكة الملف البني بإيديها، ووشها شاحب.
وبينما وعيي بيختفي، سمعت هشام بيهمس لها
لو فاقت وافتكرت أي حاجة، إحنا الاتنين هنضيع!
الجملة دي فضلت تتردد في ودني.
افتكرت إيه؟ وإيه اللي ممكن يضيّعهم؟
حاولت أتكلم، لكن لساني كان تقيل، ومقدرتش أطلع صوت.
وبعدين، فجأة، لمحت في ذهني صورة سريعة
مكتب واسع.
جدي قاعد ورا مكتبه.
ملف أزرق فوق الترابيزة.
وصوتي أنا، واضح وقوي، وأنا بقول
يا جدي، لو حصل لي أي حاجة، ماتمضيش على أي ورق يجي لك من هشام قبل ما تراجعه بنفسك!
اتسعت عيني فجأة.
أنا قلت الكلام ده إمتى؟
وليه مش فاكرة الموقف ده؟
قبل ما أقدر أستوعب أي حاجة، كل الصور اختفت، وڠرقت في ظلام كامل.
لكن اللي هشام ودينا ماكانوش يعرفوه، إن الوقعة دي هتفتح باب لذكريات كانوا فاكرين إنها اختفت للأبد وإن أول حاجة هتفتكرها ياسمين مش هتكون اسمها، ولا يوم جوازها، لكن سرّ الملف البني اللي دينا كانت بتحاول تخبيه!
الجزء التاني الملف البني اللي قلب حياة ياسمين
فتحت عيني بالعافية، ولقيت نفسي على سرير المستشفى، والنور الأبيض بيضرب في وشي، وصوت جهاز جنب راسي بيطلع صفير منتظم.
حاولت أتحرك، لكن حسيت بصداع شديد، فرجعت راسي على المخدة وقفلت عيني.
بعد ثواني، سمعت صوت هشام بيتكلم مع الدكتور بره الأوضة.
يعني مفيش خطړ على حياتها يا دكتور؟
رد الدكتور بهدوء
الحمد لله، الأشعة مطمئنة، لكن لازم نتابع حالتها بسبب إصابة الرأس. ومهم جدًا إنها ترتاح، ولو ظهر أي تغير في وعيها أو ذاكرتها لازم تبلغونا فورًا.
هشام سكت لحظة، وبعدين سأله بصوت واطي
طب هي ممكن تفتكر حاجات كانت نسيتها؟
الدكتور رد
ده احتمال وارد، لكن مفيش حد يقدر يتنبأ باللي هتفتكره أو إمتى.
سمعت صوت خطواتهم بيقرب، فقفلت عيني بسرعة، وفضلت عاملة نفسي نايمة.
دخل هشام وقعد على الكرسي جنب سريري.
مسك إيدي، ولما اتكلم، رجع لصوته الحنين اللي كان بيستخدمه قدام الناس.
يا حبيبتي، إنتِ خوفتيني عليكي أوي. أنا مش عارف كنت هعمل إيه لو حصلك حاجة.
لما سمعت كلامه، حسيت بغصة في حلقي.
هو نفس الراجل اللي كان بيزعقلي من شوية، ونفس الراجل اللي سمعت صوته وهو بيقول لدينا إننا لو افتكرت أي حاجة، هما الاتنين هيضيعوا.
إزاي الإنسان يقدر يغير وشه بالشكل ده؟
بعد شوية، حسيت إنه قام وخرج من الأوضة، وسمعته بيتكلم في التليفون.
أيوه يا دينا، أنا في المستشفى. لا، لسه ما فاقتش اسمعيني كويس، الملف لازم يرجع مكانه قبل ما حد ياخد باله إنه اختفى.
سكت شوية، وبعدين قال بعصبية
أنا قلتلك ما تسيبيهوش في إيدك! لو جديها عرف إن الورق ده معانا، مش هنقدر نبرر أي حاجة!
قلبي بدأ يدق بسرعة.
جديها؟ يقصد جدي محمود؟
وإيه حكاية الملف؟
كنت بحاول أجمع الكلام في دماغي، وفجأة، حسيت بۏجع حاد في راسي، وظهرت قدام عيني صورة جديدة.
أنا قاعدة في مكتب جدي، وقدامي نفس الملف البني.
جدي بيقلب في أوراقه، ووشه متغير من الڠضب.
وبعدين بيبصلي ويقول
يا ياسمين، فيه حد بيحاول يغيّر ملكية بعض الأراضي من غير موافقتي. وأنا شاكك إن الموضوع أكبر من مجرد تزوير إمضا.
وبعدها سمعت صوتي وأنا برد عليه
ماتقلقش يا جدي، أنا هراجع كل العقود، وهعرف مين اللي ورا الموضوع ده.
الصورة اختفت فجأة، وحسيت بدوخة شديدة.
حطيت إيدي على راسي وهمست
أنا كنت بشتغل إيه بالظبط؟
لأول مرة من تلات سنين، السؤال ده ماكانش مجرد محاولة يائسة أفتكر بيها الماضي.
كان بداية إحساس جديد جوايا.
إحساس إن فيه حاجات كتير اتقالتلي عن نفسي، ويمكن ماكانتش حقيقية.
بعد حوالي ساعة، دخلت الممرضة عشان تطمن على حالتي، ولما شافتني فاتحة عيني، ابتسمت وقالت
حمد لله على سلامتك يا أستاذة ياسمين. جوز حضرتك كان قلقان عليكي جدًا.
بصيتلها وسألتها
هو خرج؟
أيوه، قال إنه رايح يجيبلك هدوم وحاجات من البيت، وإنه هيرجع بسرعة.
هزيت راسي، وبعد ما خرجت الممرضة، طلبت منها ترجع تاني.
لما رجعت، سألتها بهدوء
هو ينفع أتصل بجدي؟
الممرضة ابتسمت وقالت
طبعًا، موبايلك مع حاجاتك الشخصية. هجيبهولك.
بعد دقائق، كان الموبايل في إيدي.
فضلت أبص للشاشة، مش فاكرة الرقم، ولا حتى كنت متأكدة إني هعرف أستخدمه.
لكن أول ما فتحت جهات الاتصال، لقيت اسمًا مسجلًا
جدو محمود
ضغطت عليه.
رن الموبايل مرتين، وبعدين سمعت صوته.
ألو؟
اتجمدت مكاني.
الصوت ده كان مألوف لقلبي، حتى لو عقلي لسه مش قادر يفتكر كل حاجة.
همست
جدو؟
سكت لحظة، وبعدين صوته اتغير.
ياسمين؟ يا بنتي، إنتِ كويسة؟