جوزي حكايات مني السيد
نزلت عينيها وقالت
لأ يا فندم. الإجراء اتكمل بعدها بيومين.
فضلت باصة للشاشة، وبحاول أستوعب اللي سمعته.
فؤاد عدّل العقد، وهشام
استلم نسخة منه، والتحذير اللي بعته اتتجاهل.
لكن لسه ماكانش عندنا دليل كافي يثبت مين اللي دبّر كل حاجة، ولا إذا كان فيه تزوير متعمد.
وفجأة، ظهر إشعار جديد على موبايل منى.
رسالة من سامح، الموظف السابق في قسم العقود.
أنا لقيت المستند اللي طلبته مني أحتفظ بيه يا أستاذة ياسمين لكن فيه اسم في آخر صفحة من العقد لازم تشوفيه بنفسك، لأن الشخص ده مش فؤاد المنشاوي ولا هشام الشناوي.
رفعت عيني لجدي.
مين الشخص التالت يا جدو؟
جدي رد بهدوء
بكرة هنعرف.
لكن في اللحظة دي، جالي اتصال من رقم مجهول.
رديت، وسمعت صوت ست بتتكلم بسرعة، وكأنها خاېفة حد يسمعها.
أستاذة ياسمين؟ أنا دينا.
اټصدمت.
دينا؟ إنتِ عايزة إيه؟
صوتها كان بيرتعش.
أنا عارفة إنك مش هتصدقيني، بس لازم أقابلك. فيه حاجة هشام مخبيها عنك من يوم الحاډثة، وحاجة تانية تخص فؤاد.
سكتت لحظة، وبعدين همست
وأنا كنت موجودة يوم ما اتاخد القرار اللي غيّر حياتك كلها.
حسيت بدموعي بتتجمع في عيني.
تقصدي إيه؟ إنتِ تعرفي إيه عن الحاډثة؟
لكنها ردت بجملة واحدة
لو عايزة تعرفي مين كان آخر شخص شافك قبل ما تقعي في بحيرة قارون، قابليني بكرة لأن الشخص ده موجود في بيت جدك دلوقتي!
وانقطع الاتصال.
بصيت ناحية باب المكتب، وسمعت صوت خطوات جاية من الطرقة.
خطوات شخص كان عارف إني رجعت.
ولما الباب اتفتح
وقفت مكاني من الصدمة، لأن الشخص اللي دخل كان آخر واحد أتوقع أشوفه في بيت جدي!
يتبع
الجزء الخامس الشخص اللي كان عارف سر الحاډثة!
الباب اتفتح ببطء، وأنا كنت واقفة جنب جدي، ولسه صوت دينا بيرن في ودني.
رفعت عيني ناحية الباب، وأول ما شفت الشخص اللي داخل، حسيت إن رجلي مش شايلاني.
كان فؤاد المنشاوي، مدير الشؤون الإدارية في شركة جدي!
نفس الراجل اللي لقينا اسمه في سجلات تعديل عقد الأرض، ونفس الراجل اللي كنت فاكرة إنه مجرد موظف أمين بيؤدي شغله.
دخل وهو شايل ملف أسود، وابتسم لجدي ابتسامة متوترة.
مساء الخير يا حاج محمود. كنت محتاج حضرتك في موضوع مهم يخص الشركة.
جدي بصله بجدية.
اتفضل يا فؤاد. إحنا كنا لسه بنتكلم عنك.
ابتسامته اختفت للحظة.
عني أنا؟ خير إن شاء الله؟
أنا ماقدرتش أسكت.
بصيتله وقلت
إنت كنت آخر شخص شافني قبل الحاډثة؟
فؤاد اتجمد مكانه.
الملف اللي في إيده اتحرك، وكأنه كان على وشك يقع.
إنتِ بتقولي إيه يا أستاذة ياسمين؟
بسألك سؤال واضح. إنت كنت موجود معايا قبل الحاډثة بيومين؟
بص لجدي، وبعدها رجع بصلي.
أيوه، كنت موجود في الشركة، لكن مش فاهم إنتِ بتسألي ليه.
جدي أشار للكرسي.
اقعد يا فؤاد. فيه مستندات محتاجين نفهمها، ومش هنوجه اتهام لحد من غير دليل.
فؤاد قعد، وحط الملف على الترابيزة.
فتح جدي التقرير اللي وصلنا من مسؤول الأنظمة، وورّاه سجل التعديلات اللي اتعملت على عقد الأرض.
أول ما فؤاد شاف التقرير، وشه اصفر.
قال بسرعة
أنا أقدر أشرح كل حاجة.
رد جدي
اتفضل، إحنا بنسمعك.
فؤاد مسح عرقه وقال
التعديلات دي حصلت بناءً على تعليمات وصلتني من الإدارة التنفيذية. أنا كنت فاكر إن الموضوع متراجع قانونيًا، وماكنتش أعرف إن فيه اعتراض من الأستاذة ياسمين.
بصيتله باستغراب.
إزاي ماكنتش تعرف؟ أنا بعت رسالة واضحة بتجميد أي إجراء لحد ما أراجع العقد بنفسي!
فؤاد نزل عينيه.
أنا شفت الرسالة، لكن وصلتني بعدها تعليمات تانية بتقول إن فيه موافقة جديدة.
جدي سأله
من مين؟
فؤاد اتردد، وبعدين قال
من مكتب الإدارة التنفيذية.
مين تحديدًا؟
سكت فترة طويلة، وبعدها رد
الأستاذ هشام الشناوي.
حسيت پغضب شديد، لكن جدي رفع إيده يطلب مني أهدى.
هل عندك ما يثبت إن هشام أصدر التعليمات دي؟
فؤاد فتح الملف اللي جابه، وطلع منه مجموعة مراسلات مطبوعة.
دي نسخ من الإيميلات اللي وصلتني. احتفظت بيها لأنني خفت إن الموضوع يتحول لمشكلة قانونية، وكنت عايز أراجعها مع حضرتك.
جدي أخد الأوراق وبدأ يقراها.
كانت فيه رسالة من هشام بتطلب استكمال إجراءات نقل الأرض، ورسالة تانية بتقول إن كل الموافقات المطلوبة موجودة.
لكن مفيش مستند في الأوراق دي يثبت إن هشام كان عنده موافقة صحيحة على نقل الملكية.
جدي رفع عينيه وقال
ليه ماوقفتش الإجراء لما وصلتك رسالة ياسمين؟
فؤاد رد بصوت منخفض
غلطت يا حاج. كنت فاكر إن فيه اتفاق بينكم، وإن الأستاذة ياسمين غيرت رأيها. لكن لما عرفت إنها اعترضت بنفسها، بدأت أقلق.
أنا بصيتله وقلت
وإيه علاقة ده بالحاډثة اللي حصلتلي؟
فؤاد سكت فجأة.
والصمت ده كان كفاية يخليني أحس إن فيه حاجة تانية مخبيها.
جدي لاحظ ارتباكه وقال
يا فؤاد، لو عندك أي معلومة عن الحاډثة، لازم تقولها دلوقتي.
فؤاد شبك إيديه ببعض، وبعدها قال
أنا ماكنتش موجود في الفيوم يوم الحاډثة، لكن قبلها بيوم، سمعت مكالمة بين هشام وشخص تاني. كانوا بيتكلموا عن مستندات لازم تختفي قبل ما الأستاذة ياسمين تراجعها.
سألته بسرعة
والشخص التاني كان مين؟
رفع عينيه ليا، وبعدين قال
ماعرفش هويته بشكل مؤكد. لكني سمعت اسم دينا في المكالمة.
حسيت پصدمة.
دينا؟
بنت مرات أبويا اللي كانت بتزورني باستمرار، واللي كنت فاكرة إنها مجرد واحدة من أفراد العيلة اللي بيحاولوا يساعدوني!
جدي سأله
وإنت ليه ماقلتليش الكلام ده وقتها؟
فؤاد رد بندم
خفت أخسر شغلي، وقلت يمكن أكون فهمت الكلام غلط. لكن بعد الحاډثة، لما الأستاذ هشام طلب مني أحتفظ بنسخ معينة من العقود بعيد عن الأرشيف، بدأت أشك إن الموضوع أكبر من مجرد خلاف إداري.
جدي طلب منه يسلم كل المستندات للمحامي، ويتعاون في مراجعة المعاملات.
فؤاد وافق، لكنه قبل ما يمشي، بصلي وقال
يا أستاذة ياسمين، أنا مش هطلب منك تصدقيني، لكن فيه حاجة لازم تعرفيها. قبل الحاډثة بيوم، إنتِ طلبتي مني أراجع عنوان شركة النور للاستثمارات، وقلتيلي إن فيه شخص من داخل العيلة بيستخدم الشركة دي في معاملات مش واضحة.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
شخص من العيلة؟ مين؟
فؤاد هز راسه.
ماقلتيليش اسمه. قلتي إنك هتتأكدي الأول قبل ما توجهي أي اتهام.
خرج فؤاد من المكتب، لكن كلامه فضل يتردد في دماغي.
شخص من داخل العيلة؟
مين ممكن يكون؟
بعد ما فؤاد مشي، جدي طلب من المحامي يتولى مراجعة المستندات، واتفق معاه إننا ما نواجهش أي حد تاني قبل ما تتجمع الأدلة.
أما أنا، فطلعت أوضتي، وقعدت على السرير أحاول أفتكر تفاصيل الحاډثة.
غمضت عيني، وبدأت الصور تظهر واحدة ورا التانية.
كنت في الفيوم.
الشمس كانت بتغرب.
كنت واقفة جنب بحيرة قارون، وبمسك موبايل في إيدي.
سمعت صوت حد بيناديني من بعيد.
لفيت ورايا، وشفت شخص واقف جنب عربيتي.
لكن ملامحه كانت مشوشة.
حاولت أقرب منه، وفجأة سمعت صوت عربية بتتحرك بسرعة.
بعدها حسيت بدوخة، ورجلي زحلقت عند حافة المية.
وقبل ما أقع، سمعت صوت ست بتصرخ
ياسمين! خلي بالك!
فتحت عيني وأنا باخد نفسي بسرعة.
مين الست دي؟
وهل كانت دينا فعلًا موجودة وقت الحاډثة؟
تاني يوم الصبح، اتصلت دينا.
المرة دي ما رفضتش المكالمة.
قالت بصوت متعب
أنا محتاجة أشوفك يا ياسمين. ومش هطلب منك تسامحيني، بس اديني فرصة أشرح.
وافقت أقابلها في مكان عام، بحضور جدي ومحاميه.
لما وصلت، كانت قاعدة على الترابيزة، وشها شاحب وعينيها حمرا من العياط.
أول ما شافتني، قامت وقربت مني.
أنا عارفة إني آخر واحدة
تستحقي تسمع مني أي كلام، لكن فيه حاجات لازم تعرفيها.
قعدت قدامها وقلت
اتكلمي.
دينا نزلت عينيها وقالت
هشام كان بيطلب مني أساعده في ترتيب أوراق الشركة، بحجة إنك مش قادرة تتابعي شغلك بسبب فقدان الذاكرة. في الأول كنت فاكرة إنه بيحاول يحافظ على ممتلكاتك لحد ما تتحسني.
سألتها
وإنتِ صدقتيه؟
هزت راسها.
أيوه. وبعد فترة، اكتشفت إن فيه أوراق بتتجهز من غير موافقتك. لما اعترضت، قال لي إن جدي موافق، وإن كل حاجة قانونية.
بصيتلها پغضب.
طب ليه ماجيتيش قولتيلي؟
دموعها نزلت.
خفت. هشام هددني إنه هيورطني في الموضوع لو اتكلمت، وقال إن عنده مراسلات تثبت إني كنت بساعده في تجهيز المستندات.
جدي تدخل وسألها
وإيه اللي حصل يوم الحاډثة؟
دينا مسحت دموعها، وفضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت
قبل الحاډثة بيوم، هشام طلب مني أروح الفيوم وأقابلك. قال لي إنك وافقتي تراجعي بعض الأوراق هناك، وإنه محتاجني أكون موجودة عشان أساعدك.
أنا اټصدمت.
يعني إنتِ كنتِ هناك؟
هزت راسها ببطء.
أيوه. لكن لما وصلت، لقيتك واقفة عند البحيرة، وبتتكلمي في الموبايل بعصبية. كنتِ بتقولي لحد إنك مش هتسمحي له يستخدم اسمك في أي عقد.
قلبي بدأ يدق پعنف.
وبعدين؟
دينا غمضت عينيها، وكأنها بتحاول تستجمع شجاعتها.
شوفتك بتلفي ناحية الطريق، وبعدها سمعنا صوت فرامل. إنتِ فقدتي توازنك ووقعتي في المية. جريت ناحيتك، لكن كان فيه شخص سبقني ووصل عندك.
جدي سألها
مين الشخص ده؟
دينا رفعت عينيها، وقالت بصوت مرتعش
والد ياسمين عماد الجوهري.
اتجمدت مكاني.
أبويا؟
أبويا اللي كنت فاكرة إنه بعيد عن كل مشاكل الشركة؟
أبويا اللي ما شفتوش من فترة طويلة، واللي هشام كان دايمًا يقول إنه مشغول ومش قادر يزورني؟
حاولت أتكلم، لكن صوتي ماطلعش.
دينا كملت بسرعة
أنا مش بقول إنه تسبب في الحاډثة، لأني ما شفتش اللي حصل قبل وقوعك بالضبط. لكني شفته واقف جنبك، وبعدها طلب مني ما أتكلمش عن وجودي في الفيوم، وقال إن الموضوع لازم يفضل بعيد عن الناس لحد ما نعرف حالتك.
جدي وقف من مكانه، ووشه مليان صدمة.
إنتِ متأكدة من الكلام ده؟
دينا هزت راسها.
أيوه يا حاج. وأنا مستعدة أقول كل اللي أعرفه للمحامي، حتى لو ده هيخليني أتحاسب على اللي سكت عنه.
بصيت لجدي وقلت بصوت مكسور
جدو، هو بابا كان هناك ليه؟ وليه محدش قالي إنه شافني يوم الحاډثة؟
جدي ماجاوبش فورًا.
طلع موبايله، واتصل بأبويا.
رن الموبايل فترة طويلة، وبعدها رد عماد.
أيوه يا محمود، خير؟
جدي قال بصرامة
محتاج أشوفك النهارده. فيه موضوع يخص ياسمين، ومش هينفع يتأجل.
أبويا سكت لحظة، وبعدها قال
أنا عارف إن الوقت جه.
جدي اتجمد.
وقت إيه؟
أبويا رد بصوت متعب
وقت ما ياسمين تعرف الحقيقة اللي خبّيتها عنها من يوم الحاډثة.
وقبل ما جدي يسأله أي سؤال تاني، سمعناه بيقول
أنا ماكنتش رايح الفيوم عشان أقابل ياسمين بس أنا كنت رايح أحذرها من الشخص اللي كان بيجهز للاستيلاء على أملاكها، والشخص ده كان من أقرب الناس لينا!
وبعدين قفل الخط.
بصيت لجدي، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
مين الشخص اللي أبويا كان عايز يحذرني منه؟
وليه استنى تلات سنين قبل ما يتكلم؟
والأهم من كل ده
هل الحاډثة كانت مجرد حاډثة فعلًا، ولا إن اللي حصل عند بحيرة قارون كان بداية مؤامرة أكبر بكتير من كل اللي اكتشفناه؟
يتبع
النهاية الحقيقة اللي رجّعت لياسمين حياتها!
بعد المكالمة اللي جت من أبويا، ماقدرتش أستحمل الانتظار.
بصيت لجدي وقلتله
أنا عايزة أعرف الحقيقة النهارده، مهما كانت. تعبت من إني أعيش وأنا مش فاهمة إيه اللي حصل في حياتي!
جدي حضڼي وقال
حقك تعرفي يا بنتي، والمرة دي محدش هيقدر يخبي عنك حاجة.
بعد ساعتين، وصل أبويا بيت جدي.
دخل الصالون ووشه شاحب، وشعره اللي كان أسود بقى فيه خصل بيضا كتير. أول ما شافني، وقف مكانه، وعينيه اتمَلَت دموع.
ياسمين!
قمت من مكاني وبصيتله بۏجع.
إنت كنت في الفيوم يوم الحاډثة يا بابا؟
هز راسه ببطء.
أيوه يا بنتي.
وشوفتني وأنا بقع في المية؟
نزل عينيه وقال
شوفتك بعد ما وقعتي، وجريت عليكي وساعدت في إخراجك من المية. لكن قبل ما أوصل، كنتِ اتخبطتي في راسك وفقدتي الوعي.
حسيت إن قلبي بيتقطع.
طب ليه ماقولتليش؟ ليه سبتني تلات سنين أعيش وأنا فاكرة إني مش فاهمة حاجة، وجوزي بيتحكم في كل تفاصيل حياتي؟
أبويا قعد وحط إيده على وشه.
لأني ارتكبت غلطة كبيرة يا بنتي. يوم الحاډثة، كنت رايح أقابلك بعد ما عرفت إنك اكتشفتي مشاكل في عقود الأراضي. كنت عايز أحذرك إن فيه معاملات مشپوهة، وإن لازم تراجعي كل حاجة بنفسك.
سأله جدي پغضب
وإيه اللي خلاك تسكت بعد كده؟
أبويا رد بصوت مكسور
لما ياسمين دخلت المستشفى، هشام قال
لي إن حالتها خطېرة، وإن الأفضل ما نضغطش عليها بأسئلة عن الشغل. وبعدها وراني مستندات قال إنها بتثبت إن ياسمين وافقت على بعض الإجراءات قبل الحاډثة.
بصيتله بذهول.
وإنت صدقته؟
للأسف، أيوه. كنت فاكر إني بحميكي من التوتر، وكنت غلطان لما ماطلبتش مراجعة مستقلة للمستندات. وبعد فترة، لما بدأت أشك، هشام قال لي إنك لو عرفتي إن فيه خلافات مالية، حالتك ممكن تسوء.
أبويا رفع عينيه ليا وقال
أنا مش بطلب منك تسامحيني بسهولة، لكن أنا مستعد أقول كل اللي أعرفه، وأتحمل مسؤوليتي عن سكوتي.
دموعي نزلت.
ماكنتش عارفة أكرهه، ولا أقدر أتجاوز اللي حصل.
لكن كان لازم أكمل.
سألته
مين الشخص اللي كنت عايز تحذرني منه؟
أبويا بص لجدي، وبعدها قال
هشام كان بيحاول يستغل التوكيل الإداري اللي ياسمين عملتهوله، بالتعاون مع فؤاد، عشان يمرروا معاملات تخص أراضي الشركة. لكن الشخص اللي كان بيمول الشركة الوسيطة، واللي كان بيستفيد من نقل الأصول، هو شريكه القديم في التجارة.
جدي سأله
مين؟
أبويا قال الاسم، وطلع من جيبه مجموعة مستندات قديمة تثبت وجود معاملات بين الشركة الوسيطة وشركة يملكها شريك هشام السابق.
المستندات دي كانت بداية الخيط، لكن المحامي أكد إننا محتاجين نراجعها رسميًا، ونربطها بالعقود والتحويلات قبل ما نقدر نثبت المسؤولية القانونية.
ولأول مرة، حسيت إن الحقيقة بقت قريبة.
المواجهة الأخيرة
بعد أيام من مراجعة الأوراق، المحامي جمع الأدلة المتاحة، وبدأ الإجراءات القانونية اللازمة، وطلب فحص التوقيعات ومراجعة التحويلات والعقود.
وفي نفس الوقت، اتبعت إخطار رسمي لهشام بمراجعة أي معاملات تمت باستخدام التوكيل، واتخذت الإجراءات القانونية المناسبة لحماية أملاكي ومنع التصرف فيها لحين انتهاء الفحص.
أما فؤاد، فوافق يتعاون مع التحقيق، وسلم المراسلات اللي احتفظ بيها.
وبعد مراجعة المستندات وسماع أقوال الأطراف، ظهرت أدلة تثبت إن هشام تجاوز حدود التوكيل في بعض الإجراءات، وإن فؤاد شارك في تمرير تعديلات غير مصرح بيها على مستندات تخص الأرض.
الشريك السابق لهشام أنكر في البداية علاقته بالمخالفات، لكن التحويلات والمراسلات اللي اتجمعت خلت التحقيق يتوسع في معاملاته كمان.
أما دينا، فاعترفت إنها سكتت عن حاجات شافتها، وإنها ساعدت في تجهيز بعض الأوراق من غير ما تتأكد من صحتها.
اتحاسب كل شخص على قد الأدلة اللي ثبتت ضده، ومبقاش فيه حد يقدر يفرض عليّا الصمت أو يجبرني أمضي على ورقة مش فاهمة محتواها.
لكن المواجهة الأهم كانت لسه مستنياني.
بعد فترة،
وافقت أقابل هشام في مكتب المحامي، بحضور جدي.
دخل هشام وهو بيحاول يحافظ على هدوئه.
بصلي وقال
ياسمين، إحنا عشرة عمر. كل اللي حصل كان بسبب ظروف الشغل، وإنتِ عارفة إني كنت بحاول أحافظ على ممتلكاتك.
بصيتله طويلًا، وبعدها قلت
تحافظ على ممتلكاتي إزاي؟ لما كنت تمنعني أكلم جدي؟ لما كنت تعاملني كأني خدامة في بيتي؟ لما كنت تستغل مرضي عشان تقنعني إني مش فاهمة أي حاجة؟
هشام حاول يقاطعني، لكني كملت
أنا مش هتكلم عن حاجات مش عندي عليها دليل، ومش هتهمك بحاجة ما أثبتهاش. لكن اللي ثبت من المستندات كفاية عشان أعرف إن الثقة اللي اديتهالك كانت في غير مكانها.
نزل عينيه وقال
إنتِ هتضيعي جوازنا عشان الفلوس؟
ضحكت بمرارة.
جوازي ما انتهيش بسبب الفلوس يا هشام. انتهى يوم ما قررت تستغل مرضي بدل ما تساعدني أتعافى. يوم ما خلتني أخاف من السؤال، وأشك في عقلي، وأصدق إن ماليش حق أقرر في حياتي.
سكت لحظة، وبعدها قلت
أنا بدأت إجراءات الانفصال، وكل حاجة هتتم عن طريق القانون. ومش عايزة منك أي وعود تاني.
خرجت من المكتب من غير ما ألتفت ورايا.
ولأول مرة من تلات سنين، حسيت إني بتنفّس بحرية.
رجوع ياسمين الحقيقية
عدّت شهور، وبدأت أتابع مع الأطباء المتخصصين في إصابات الذاكرة.
ما رجعتليش كل ذكرياتي مرة واحدة، وبعض التفاصيل فضلت غايبة، لكني اتعلمت أعيش من غير ما أعتبر النسيان دليل على العجز.
رجعت للشركة بالتدريج، وبدأت أراجع الملفات القديمة مع فريق متخصص، ووضعت نظامًا جديدًا للموافقات على العقود والتحويلات، بحيث مايبقاش شخص واحد قادر يتصرف في ممتلكات العيلة من غير مراجعة.
أما جدي، فكان كل يوم يقعد معايا في مكتبه، ويحكيلي عن طفولتي، وعن المواقف اللي كان بيفتخر بيا فيها.
وفي يوم، دخل عليّا المكتب، وحط قدامي ملفًا أزرق.
ابتسم وقال
فاكرة الملف ده يا ياسمين؟
بصيتله، وفجأة افتكرت الصورة القديمة اللي ظهرت في دماغي يوم ما وقعت على السلم.
الملف الأزرق كان نفس الملف اللي كنت براجعه قبل الحاډثة.
مديت إيدي وفتحته، ولقيت أول ورقة مكتوب عليها بخطي
الحقيقة ممكن تتأخر، لكنها ما بتضيعش طول ما فيه حد مستعد يدور عليها.
عيني اتمَلَت دموع.
جدي ابتسم وقال
رجعتي يا بنتي.
هزيت راسي وقلتله
لأ يا جدو، أنا ما رجعتش بس أنا بدأت من جديد.
أما دينا، فاخترت إني ما أرجعش علاقتي بيها زي الأول. اعترفت إنها غلطت لما سكتت، لكني ماكنتش مستعدة أديها ثقتي تاني لمجرد إنها اعتذرت.
وأبويا، احتجت وقت طويل عشان أقدر أتكلم معاه من غير ما أفتكر كل اللي حصل. بدأت علاقتنا تتحسن بالتدريج، لكني وضحتله إن الثقة بتتبني بالأفعال، مش بالكلام.
وبعد فترة، انتهت إجراءات انفصالي عن هشام، واستعدت السيطرة على ممتلكاتي وفقًا للإجراءات القانونية.
ماكانش الانتصار الحقيقي إني رجعت فلوسي بس.
الانتصار الحقيقي إني بطلت أصدق أي حد يقول لي إني ضعيفة، أو عاجزة، أو مش قادرة أفهم حياتي.
وفي آخر يوم ليا في المكتب القديم، وقفت قدام الشباك وبصيت على المباني والأراضي اللي كنت براجع عقودها زمان.
افتكرت السنين اللي ضاعت مني، والۏجع اللي عشته، والخۏف اللي كان بيخليني أسكت.
وبعدين ابتسمت.
أنا ياسمين الجوهري.
فقدت جزءًا من ذاكرتي، لكني ما فقدتش حقي في الكرامة، ولا حقي في الاختيار، ولا قدرتي إني أبدأ من جديد.
لأن أصعب حاجة ممكن تحصل للإنسان مش إنه ينسى ماضيه أصعب حاجة إنه يصدق إن مرضه بيسلبه حقه في حياة كريمة.
والنهارده، بعد كل اللي حصل، عرفت إن الحقيقة ممكن تتأخر، وإن بعض الناس ممكن تخذلك، لكن عمرك ما لازم تسلّم عقلك أو إرادتك لحد لمجرد إنك محتاج مساعدته.
تمت النهاية.