جوزي حكايات مني السيد

لمحة نيوز

هشام قالي إنك وقعتي واتخبطتي في راسك!
دموعي نزلت من غير ما أحس.
أنا في المستشفى يا جدو ومحتاجة أشوفك.
أنا جاي لك حالًا!
وقبل ما يقفل، سألني سؤال خلاني أرتبك
يا ياسمين، إنتِ فاكرة أي حاجة يا بنتي؟
بصيت ناحية باب الأوضة، واتأكدت إن مفيش حد بيسمعني.
وبعدين قلت
مش فاكرة كل حاجة بس سمعت هشام بيتكلم عن ملف بني، وبيقول إنك لو عرفت اللي فيه، هما هيضيعوا.
الصمت اللي جه بعد كلامي كان طويل.
طويل لدرجة إني افتكرت إن الخط فصل.
لكن فجأة، سمعت جدي بياخد نفس عميق، وبعدين قال بصوت حازم
اسمعيني كويس يا ياسمين. ماتتكلميش مع هشام في أي حاجة سمعتيها، وماتوقعيش على أي ورقة مهما قالك. أنا جاي لك، ولما أوصل هحكيلك كل حاجة.
قفلت المكالمة وأنا حاسة إن الأرض بتتحرك من تحتي.
ليه جدي اتغير بالشكل ده لما سمع حكاية الملف؟
وإيه اللي كان بيحصل في حياتي وأنا فاكرة إني مجرد واحدة فقدت ذاكرتها؟
بعد نص ساعة، دخل هشام الأوضة، وفي إيده شنطة هدوم.
ابتسم أول ما شافني صاحية.
حمد لله على سلامتك يا حبيبتي! عاملة إيه دلوقتي؟
بصيتله بهدوء وقلت
أحسن شوية.
قرب مني وحط إيده على كتفي.
الدكتور قال إنك محتاجة راحة، ولما نرجع البيت هخلي دينا تقعد معاكي كام يوم تساعدك.
أول ما سمعت اسم دينا، افتكرت الملف البني، والمكالمة اللي سمعتها.
فقلتله
مش عايزة دينا تيجي.
ابتسامته اختفت للحظة.
نعم؟!
بقولك مش عايزاها تيجي. عايزة أقعد لوحدي شوية.
بصلي باستغراب، وبعدين رجع ابتسم ابتسامة مصطنعة.
طبعًا يا حبيبتي، زي ما تحبي. بس إنتِ عارفة إنك ساعات بتنسي كلامك، فممكن بكرة تغيري رأيك.
الجملة دي كانت دايمًا بتخليني أشك في نفسي.
لكن المرة دي، ماشكّتش.
لأني كنت عارفة كويس إني طلبت منه حاجة واضحة، وإنه بيحاول يخليني أحس إني مش فاهمة أنا بقول إيه.
بعد دقائق، دخل جدي محمود.
كان ماشي بعصايته، لكن أول ما شافني، نسي تعبه كله وقرب من السرير.
مسك إيدي بإيديه الاتنين، وبصلي بدموع.
وحشتيني يا قلب جدك.
حضنته، وفضلت أعيط من غير ما أعرف السبب الكامل لدموعي.
يمكن عشان كنت محتاجة أحس بالأمان.
ويمكن عشان جزء مني كان لسه فاكر إن الراجل ده عمره ما هيستغل ضعفي.
هشام وقف بعيد، ووشه متوتر.
جدي بصله وقال
هشام، عايز أقعد مع حفيدتي لوحدنا شوية.
هشام اعترض بسرعة
بس يا حاج، حالتها لسه مش مستقرة، والدكتور قال إنها محتاجة حد يفضل معاها.
جدي رد بحزم
وأنا جدها، وهفضل معاها. اتفضل استنى بره.
هشام حاول يبتسم، لكن واضح إنه ماكانش
مرتاح.
خرج من الأوضة، وأول ما الباب اتقفل، جدي طلع من جيب جاكيته صورة قديمة، وحطها قدامي.
كانت صورة ليا وأنا قاعدة في مكتب كبير، وقدامي ملفات كتير، وبجانبي راجل معرفوش.
جدي أشار للراجل وقال
ده المحاسب القانوني اللي كان بيساعدك في مراجعة حسابات الشركات قبل الحاډثة.
بصيت للصورة، وفجأة افتكرت المكتب، والأوراق، وصوت جدي وهو بيطلب مني أراجع عقود الأراضي.
قلت بذهول
أنا كنت براجع حسابات الشركة؟
ابتسم جدي وسط دموعه.
إنتِ ماكنتيش مجرد موظفة يا ياسمين. إنتِ كنتِ الشخص اللي بيعتمد عليه في أهم القرارات، وكنتِ إنتِ اللي اكتشفتي إن فيه تحويلات مالية مش مفهومة، وإن بعض العقود اتغيرت من غير علمي.
حسيت پصدمة شديدة.
ومين اللي عمل كده؟
جدي سكت شوية، وبعدين قال
قبل الحاډثة بأيام، إنتِ قلتيلي إنك قربتي تعرفي الحقيقة، وإن فيه مستندات ممكن تكشف الشخص المسؤول. لكن قبل ما تسلميني المستندات، حصلت الحاډثة.
قربت منه وسألته
وإيه علاقة هشام بالموضوع؟
جدي بصلي نظرة طويلة، وبعدين قال
دي الحاجة اللي لازم نعرفها بالدليل، مش بالتخمين. أنا مش هاتهم حد من غير إثبات، لكن من النهارده مش هسمح لأي شخص يمنعك من معرفة الحقيقة.
مد إيده في جيبه وطلع مفتاح صغير، وحطه في كفي.
المفتاح ده كان معاكي يوم الحاډثة. الشرطة سلمتهولي مع حاجاتك، وإنتِ وقتها ماكنتيش قادرة تفتكري هو بيفتح إيه.
بصيت للمفتاح، وحسيت إن شكله مألوف بشكل غريب.
وفجأة، افتكرت درج خشبي صغير في مكتبي القديم.
درج كنت بقفله بالمفتاح ده.
شهقت وقلت
المكتب القديم!
جدي وقف بسرعة.
افتكرتي حاجة؟
هزيت راسي وأنا بحاول أركز.
أيوه فيه درج في مكتبي، وأنا كنت مخبية فيه حاجة مهمة.
ابتسم جدي لأول مرة من ساعة ما دخل الأوضة.
لكن قبل ما نكمل كلامنا، الباب اتفتح فجأة.
كان هشام واقف، ووشه متغير، وعينيه مثبتة على المفتاح اللي في إيدي.
وقال بصوت متوتر
إيه اللي إنتوا بتخططوا له من ورايا؟
جدي وقف قدامي، ورد بهدوء شديد
مفيش حاجة يا هشام. إحنا بنتكلم عن ذكريات ياسمين.
هشام مد إيده ناحيتي وقال
هاتي المفتاح يا ياسمين.
بصيتله، ولأول مرة من تلات سنين، ماحسيتش إني مجبرة أطيعه.
قفلت إيدي على المفتاح وقلت
لأ.
وشه اتبدل تمامًا.
وفي اللحظة دي، عرفت إن المفتاح الصغير ده مش مجرد ذكرى من الماضي.
ده كان أول دليل ممكن يرجّعلي حياتي ويكشف مين اللي كان بيحاول يسرقها مني وأنا مش فاكرة حتى أنا مين!
يتبع
الجزء التالت الدرج اللي هشام كان مړعوپ منه!
هشام فضل باصصلي، وعينيه متثبتة على إيدي اللي كنت قابضة فيها على المفتاح.
ياسمين، أنا بكلمك! هاتي المفتاح.
بصيت لجدي، فلقيته واقف جنبي بثبات، وبعدها بصيت لهشام وقلت
المفتاح ده بتاعي، وأنا مش هديهولك.
ضحك ضحكة عصبية وقال
بتاعك إيه؟ إنتِ أصلًا مش فاكرة المفتاح ده بيفتح إيه! إنتِ ممكن ټأذي نفسك وإنتِ مش فاهمة!
جدي رد عليه بحدة
ياسمين مش طفلة يا هشام، ومش معنى إنها فقدت جزء من ذاكرتها إنك تتعامل معاها كأنها مالهاش رأي.
هشام حاول يسيطر على أعصابه، وبص لجدي بابتسامة مصطنعة.
يا حاج محمود، أنا أكتر واحد عارف حالة ياسمين. أنا اللي عايش معاها وبراعيها من تلات سنين، وإنت عارف إني عمري ما قصرت معاها.
جدي قرب منه خطوة وقال
أيوه، إنت عايش معاها من تلات سنين، وده بالظبط اللي مخليني عايز أفهم ليه حفيدتي بقت خاېفة تتكلم قدامك.
هشام اتجمد للحظة، وبعدها بصلي پغضب مكتوم.
أما أنا، فكنت حاسة إن في حاجة جوايا بدأت تتغير.
طول التلات سنين اللي فاتوا، كنت كل ما هشام يعلي صوته، ألوم نفسي وأقول يمكن أنا فعلًا مش فاهمة.
لكن المرة دي، لأول مرة، حسيت إن خۏفي منه مش دليل على ضعفي، وإن من حقي أسأل وأرفض وأعرف الحقيقة.
بعد شوية، جدي طلب من هشام يسيبنا لوحدنا، وهدده إنه هيتكلم مع إدارة المستشفى لو استمر في الضغط عليّا.
هشام خرج، لكن قبل ما يقفل الباب، بصلي نظرة خلت قلبي ينقبض.
كان واضح إنه خاېف من حاجة.
ولأول مرة، بدأت أسأل نفسي هو خاېف عليّا فعلًا؟ ولا خاېف مني؟
تاني يوم، خرجت من المستشفى بعد ما الدكتور سمحلي أرجع البيت مع ضرورة المتابعة والراحة.
لكن بدل ما أروح الفيلا مع هشام، جدي أخدني معاه بيته.
هشام اعترض بشدة.
إزاي تاخدها من بيتها من غير ما ترجعلي؟ دي مراتي!
جدي رد بهدوء
وهي حفيدتي، وليها أهل يقدروا يراعوها. ولما تحب ترجع بيتها، القرار هيكون قرارها هي.
هشام حاول يجادل، لكن جدي ما ادالوش فرصة.
ركبت العربية مع جدي، وطول الطريق كنت ببص من الشباك، بحاول أفتكر أي حاجة عن حياتي القديمة.
وفجأة، سألت جدي
هو أنا كنت بحب هشام؟
جدي سكت لحظة، وكأنه بيختار كلامه بعناية.
إنتِ اللي اخترتي تتجوزيه يا ياسمين. في الأول كنتِ شايفة إنه شخص طموح، وبيفهم في الشغل، وبيحترمك. لكن قبل الحاډثة بفترة، بقيتي بتشتكي من تصرفاته.
قلبي اتقبض.
كنت بشتكي من إيه؟
كنتِ بتقولي إنه بقى بيتدخل في شغلك، وبيسألك عن حساباتك، وعايز يعرف تفاصيل تخص أملاكك. لكنك ماكنتيش عايزة تتسرعي في الحكم عليه، وقلتي إنك هتتأكدي الأول.
بصيت لإيدي، وحسيت إن الكلام ده مش غريب عني.
كأن جزء من ذاكرتي بيحاول يرجع، لكن لسه فيه حاجز واقف بيني وبين الحقيقة.
وصلنا بيت جدي، واستقبلتنا جدتي، اللي أول ما شافتني حضنتني وفضلت تبكي.
وبعد ما أكلت وارتحت شوية، جدي دخل أوضة مكتبه، وطلب مني أروح معاه.
فتح درج مكتبه وطلع مجموعة صور قديمة ليا، وأنا قاعدة في مكتبي بالشركة.
قال
مكتبك لسه زي ما هو. أنا ماخليتش حد يقرب من حاجتك الشخصية من يوم الحاډثة.
طلعت المفتاح من جيبي وبصيتله.
عايزة أروح مكتبي يا جدو.
هز راسه وقال
هنروح بكرة الصبح. بس لازم تبقي مستعدة لأي حاجة تفتكريها، ومش لازم تضغطي على نفسك.
تاني يوم، وصلنا مقر الشركة.
أول ما دخلت، حسيت بإحساس غريب.
المكان مألوف، لكن في نفس الوقت كان بعيد عني، كأني داخلة مكان كنت عايشة فيه من سنين طويلة.
الموظفين وقفوا لما شافوني.
واحدة منهم، اسمها منى، قربت مني وعينيها مليانة دموع.
يا أستاذة ياسمين! حمد لله على سلامتك! إحنا كلنا افتقدناكي.
ابتسمت لها بتردد.
إنتِ منى، صح؟
هزت راسها بفرحة.
أيوه! إنتِ فاكرة اسمي؟
ماكنتش متأكدة إذا كنت فاكرة فعلًا، ولا إن الاسم ظهر قدامي في لحظة عابرة، لكن وجودها خلاني أحس إن حياتي القديمة لسه موجودة في مكان ما.
دخلت مكتبي.
كل حاجة كانت مكانها الكتب، الملفات، الصور، وحتى النبتة الصغيرة اللي كنت بحطها جنب الشباك.
قربت من المكتب، وفتحت أول درج.
كان مليان أقلام وأوراق عادية.
فتحت الدرج التاني، وبعدها التالت.
لكن المفتاح ماكانش مناسب لأي واحد فيهم.
وقفت لحظة، وبعدين لفت نظري دولاب خشبي صغير في الركن، كان مقفول بقفل نحاسي قديم.
قربت منه، وحطيت المفتاح في القفل.
لف بسهولة.
وأول ما فتحت الباب، لقيت صندوقًا معدنيًا صغيرًا، وفوقه ظرف مكتوب عليه بخطي
إلى ياسمين لو رجعتي للمكتب ومش فاكرة اللي حصل.
إيدي بدأت ترتعش.
جدي قرب مني وقال
افتحيه يا بنتي، براحتك.
فتحت الظرف، وطلعت منه ورقة مطوية.
كان مكتوب فيها
يا ياسمين،
لو إنتِ بتقري الرسالة دي، فده معناه إنك رجعتي للمكتب بعد غياب طويل، وممكن
تكوني مش فاكرة كل حاجة.
ماتصدقيش أي حد يقولك إنك مش قادرة تديري حياتك لمجرد إن ذاكرتك اتأثرت.
إنتِ عارفة شغلك كويس، وعندك نسخ من المستندات المهمة بعيد عن ملفات الشركة.
ابدئي بمراجعة العقود الخاصة بالأراضي اللي اتعرضت للبيع خلال آخر ست شهور قبل الحاډثة.
ودوري على الملف اللي عليه علامة زرقاء.
الأهم من كل ده ماتمضيش على أي تنازل عن ممتلكاتك، مهما كانت الظروف.
وقفت عن القراءة، ورفعت عيني لجدي.
أنا كنت متوقعة إني ممكن أفقد ذاكرتي؟
جدي هز راسه بحزن.
مش بالضرورة. واضح إنك كنتِ بتحضّري نفسك لاحتمال إن حد يحاول يضغط عليكي أو يستغل غيابك عن الشركة.
فتحت الصندوق المعدني.
جواه كان فيه فلاشة إلكترونية، ونسخة من عقد أرض كبيرة في مدينة السادس من أكتوبر، وكشف حساب عليه أرقام متعلم عليها بالقلم الأحمر.
لكن اللي لفت نظري أكتر كان ورقة صغيرة مكتوب فيها اسم شخص واحد
هشام الشناوي.
حسيت إن نفسي اتسحب من صدري.
بصيت لجدي وقلت
ليه اسمه موجود هنا؟
رد بهدوء
مانقدرش نحكم من مجرد اسم. لازم نعرف إنتِ كنتِ بتراجعي إيه، والمستندات دي بتثبت إيه.
طلبنا من مسؤول تكنولوجيا المعلومات في الشركة يساعدنا في فتح الملفات الموجودة على الفلاشة، بعد ما تأكدنا إنها آمنة للاستخدام.
وبعد دقائق، ظهرت مجموعة من المستندات الإلكترونية.
كانت عبارة عن صور لعقود، ومراسلات تخص معاملات مالية، ونسخ من أوراق بيع وشراء.
وفي ملف باسم مراجعة أخيرة، لقينا جدولًا فيه تحويلات مالية تمت من حساب شركة تابعة للعيلة إلى شركة تانية مش معروفة لينا.
جدي قرب من الشاشة.
الشركة دي إحنا ما اتعاملناش معاها قبل كده!
منى، اللي كانت واقفة عند الباب، قالت بتردد
يا حاج محمود، أنا فاكرة إن الأستاذة ياسمين طلبت مني قبل الحاډثة أجيب لها السجل التجاري للشركة دي، وكانت متضايقة جدًا لما اكتشفت إن عنوانها مش واضح في الأوراق.
بصيت لمنى بسرعة.
أنا قلتلك كده؟
أيوه يا أستاذة. وقلتيلي إن فيه عقد لازم يتراجع قبل ما أي فلوس تتحول.
جدي طلب منها تراجع سجلات الشركة القديمة، وتجمع كل المستندات المتعلقة بالمعاملات دي، من غير ما تتواصل مع أي شخص خارج الفريق
تم نسخ الرابط