مـن صـفقة إلى عـشق ج 1 حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

مهما حاولت أداري. الفستان اللي اخترته كان كحلي غامق من الحرير التقيل، مقفول بشياكة من فوق ونازل بانسيابية، مفيش فيه بهرجة لأن وجودي مع سيف في أول ظهور رسمي بعد الفرح كان كفيل يلفت كل عيون القاهرة لوحده.
الساعة ستة ونص بالدقيقة، سمعت خبطتين على باب الأوضة الخارجي في جناحي. فتحت الباب، ولقيته واقف قدامي. كان لابس بدلة توكسيدو سودة مفصلة بالميلي، قميص أبيض، والياقة مظبوطة بالسنتي، وساعته الكلاسيكية التقيلة على معصمه. ريحة البرفان بتاعه سبقت دخوله، خشب صندل مع عود خفيف، ريحة راجل عارف هو مين كويس أوي ومش محتاج يثبت حاجة لحد.
وقف مكانه ثانية، عنيه نزلت عليا من فوق لتحت ببطء شديد، ورجعت ثبتت في عينيا. الملامح الباردة اللي متعودة عليها اتهزت لكسر من الثانية، بس استعاد جموده فورًا وقال العربية تحت. قدامنا ربع ساعة ونتحرك عشان نوصل قبل الزحمة.
ابتسمت ابتسامة باردة زيه، ورفعت شنطتي الصغيرة من على الكومودينو أنا جاهزة من بدري، مش بحب أأخر حد، خصوصًا لو كان ماشي بجدول من تمان صفحات.
بصلي بطرف عينه، ولمحت في ركن شفايفه نص ابتسامة حاول يخفيها وهو بيلف عشان ينزل الجدول ده معمول عشان يحميكي من الفوضى، الفوضى مش مرحب بيها في حياتي يا ريتا.
نزلنا السلالم الرخام بتاعة القصر جنب بعض، بس كان في مسافة محسوبة بين كتفي وكتفه. أول ما وصلنا البهو تحت، عم إبراهيم رئيس الخدم واقف ومعاه البالطو بتاعي ألف مبروك يا هانم، ربنا يحرسكم يا رب ويحفظ الباشا.
رديت عليه بود تسلم يا عم إبراهيم، متتحرمش منك.
سيف كان بيراقب طريقتي مع عم إبراهيم وعينيه فيها تساؤل مكتوم... يمكن كان متخيل إني هدخل البيت ده بتعالي، أو هكون مڼهارة ومهزوزة، بس أنا من أول دقيقة قررت إن كرامتي خط أحمر، وإن محدش هنا هيشوف دموعي، لا هو ولا أمه.
ركبنا في الكنبة اللي ورا في العربية المرسيدس السودا، والسواق قفل الباب واتحركت وراها عربية الحراسة. الطريق للمتحف المصري الكبير كان ساكت في أول عشر دقايق. الزمالك بدأت تبعد، ودخلنا على المحور، وأنا باصة من الشباك بتفرج على أضواء الشوارع والمباني.
فجأة، صوته كسر الهدوء فؤاد العزايزي هيكون هناك الليلة.
لفيت وشي ليه فورًا عمك؟
سيف حط إيده على ركبته، ونبرته رجعت للتحذير الصارم عمي، والذراع اليمين ليه في السوق. فؤاد مش هيسيبك في حالك الليلة... هيحاول يرمي كلام، هيحاول يشوف إنتِ داخلة الجوازة دي إزاي، هيكلمك عن أبوكي، وعن ديون الشركة، وهيحاول يستفزك عشان تفقدي أعصابك ويثبت لأعضاء مجلس الإدارة إن الجوازة دي مجرد تمثيلية رخيصة عشان نحبس الأسهم لصفنا.
ضيقت عينيا وسألته وإنت خاېف إني أفضحه؟ ولا خاېف إني أبوظلك خطتك؟
سيف بص في عيني مباشرة، والمسافة بينا في العربية خلتني أحس بأنفاسه الهادية أنا مش بخاف يا ريتا... بس مش عايزك تتهاني. فؤاد لسانه زفر، ومبيعرفش يلعب غير من تحت الحزام، وأنا الليلة عندي صفقات محتاجة أخلصها مع وفد استثماري جاي من دبي، فمش عايز دماغي تتشتت.
رديت بثقة مكنتش عارفاها في نفسي منين متقلقش عليا. أنا شغالة مستشارة التزام ورقابة مالية بقالي ست سنين، يعني بتعامل مع تماسيح وناس مفيش في قلوبهم رحمة أكتر من عمك ده. متقلقش على الواجهة الاجتماعية بتاعتك.
سيف ملامحه لانت فجأة، وضحكة مكتومة خرجت من صدره واجهة؟ إنتِ لسه فاكرة
إني واخدك واجهة؟
مش ده كان كلامك ليلة الفرح؟ إنتِ بالنسبالي ولا حاجة يا ريتا؟ ولا نسيت كلامك الجميل اللي سمعته وأنا لسه بفستاني؟
سكت، والمرة دي ملقاش رد فوري. عنيه تاهت لثانية في إيدي اللي كانت محطوطة على حجري، وبعدين رجع بص للطريق قدامه وقال بهمس واطي ليلة الفرح كان لازم يتقال فيها كلام محدد عشان الحدود تفضل واضحة.
والحدود لسه واضحة يا سيف... متقلقش، أنا حافظة دوري كويس.
وصلنا المتحف المصري الكبير، والمشهد كان مبهر ومرعب في نفس الوقت. السجادة الحمراء مفروشة، كاميرات الصحافة والقنوات الاقتصادية والاجتماعية على الجنبين، الفلاشات بټضرب في كل اتجاه كأنها عاصفة برق، ورجال الأعمال وسيدات المجتمع بكل المجوهرات والأناقة بيتوافدوا على المدخل العملاق قدام تمثال رمسيس الثاني.
العربية وقفت، السواق نزل فتح باب سيف. سيف نزل، قفل زرار بدلته، ولف ناحية الباب بتاعي ومد إيده ليا. بصيت لإيده الممدودة، كانت صوابعه قوية ودافية لما لمست كفي. نزلت ووقفت جنبه، وفجأة، حط إيده التانية ورا ضهري بلطف، بس بحزم كافي إنه يقربني منه بحيث ميبقاش في أي مسافة بينا.
همس في ودني وشفايفه قريبة جدًا من خصلات شعري ابتسمي... الكاميرات بتسجل أول صورة لمدام العزايزي.
ابتسمت، مش عشان أطاوعه، بس عشان أثبتله إني قده. الفلاشات نورت وشوشنا، والصحفيين بدأوا يرموا أسئلة سريعة بشمهندس سيف، مبروك الجواز! أستاذة ريتا، هل شراكة عيلة النابلسي والعزايزي هتأثر على قطاع المواني السنة دي؟
سيف اكتفى بإيماءة راس هادية وثابتة، وسحبني معاه لجوه من غير ما يرد بحرف، ودخلنا القاعة الرئيسية اللي كانت مبهرة بكل المقاييس؛ أعمدة الإضاءة الحديثة متقاطعة مع عظمة التماثيل والآثار الفرعونية، والموسيقى الكلاسيكية هادية ومالية المكان.
أول ما دخلنا، عيون الحضور كلها اتعلقت بينا. الهمسات بدأت تلف القاعة، وكنت حاسة بنظرات الناس اللي بتفحصني، عايزة تشوف مين دي اللي قدرت تاخد سيف العزايزي بعد كل سنين العزوبية والانعزال اللي كان فارضهم على نفسه.
وقفنا في وسط القاعة، وناهد العزايزي، حماتي، كانت واقفة مع مجموعة سيدات مجتمع. أول ما شافتنا، قربت بخطوات هادية، لابسة فستان زمردي حرير، وملامحها الأرستقراطية الصارمة عليها ابتسامة محسوبة جدًا. مساء الخير يا سيف... نورتي يا ريتا.
سلمت عليا وبوستني على خدي، وقالت بصوت واطي عشان محدش يسمع شكلك كويس، الفستان ذوقه راقي... سيف، السفير مستنيك في الصالون التاني مع المستثمرين الإماراتييين، ميعادك معاه جه.
سيف بصلي، وكان متردد يسيبني لوحدي. لاحظت نظرته دي، وابتسمت له بهدوء وقلت روح شوف شغلك يا سيف، أنا هقف هنا مع طنط ناهد شوية.
قرب مني خطوة، ولمس دراعي بخفة ربع ساعة ومش هتأخر. لو احتاجتي أي حاجة تيم الحراسة واقف عند الباب الشرقي، وشادي السكرتير موجود هنا.
هزيت راسي، ومشي. بمجرد ما سيف بعد خطوتين تلاتة، والدته لفت ليا وقالت بنبرة مفهاش أي عاطفة خطوتك الأولى في العيلة دي كانت مظبوطة الليلة. متخليش حد يلاحظ أي توتر... عيون فؤاد وأولاده عليكي من ساعة ما ډخلتي من الباب.
لسه هرد عليها، لقيت صوت خشن ومزعج بيقطع كلامنا أهلاً أهلاً... مرات الغالي! عروسة الموسم اللي ملحقتش تقعد في بيتها أسبوع.
لفيت، ولقيت راجل في أواخر الخمسينات، شعره رمادي مسحوب لورا، لابس بدلة مبالغ في تفاصيلها، وفي عينيه نظرة مكر مكشوفة... فؤاد العزايزي.
حماتي وقفت بجمود وقالت ببرود شديد أهلاً يا فؤاد. افتكرتك مشغول في دبي مش هتلحق الحفلة.
فؤاد ابتسم بسماجة وهو باصصلي ومين يفوت الليلة دي يا ناهد؟ لازم أبارك لابن أخويا،
وأتعرف على بنت كمال النابلسي شخصيًا... ما شاء الله، كمال كان عليه ١٢ مليون جنيه في السوق ومكانش عارف يسدهم، بس طلع
تم نسخ الرابط