وانا حامل ف الشهر التامن
عينيها. لم تتوقّع أنّي أتكلّم معاها بهالطريقة.
تظنّي الكلام ده هيغيّر حاجة؟ قالت بحدة لكنّ صوتها خفّ.
الكلام لوحده مش هيغيّر حاجة. قال مراد وهو يشدّني جنبه. بس الحقّ والعدالة هتغيّر كلّ حاجة. وكلّ اللي عملتيه هيرجع عليكي.
في تلك اللحظة، دخل رجل بملابس مدنيّة بسرعة، وقف جنب والدته، وهمس لها حاجة في أذنها. لون وشها اتغيّر، وبدت عليها الصدمة. بصّت لنا مرّة أخيرة، وبعدين التفتت للرجال معاها.
نمشي. قالت بصوت مهزوز. الحساب معاه جاى في وقت تاني.
خرجوا كلّهم بسرعة، وتركونا في صمت مطبق. لم أصدّق إنّهم رحلوا. لفتّ لمراد اللي كان واقف بثبات، ودموعي نزلت وأنا أحضنه.
إيه اللي حصل؟ سألته وأنا مړعوپة. ليه راحوا؟
مراد احتضني بقوّة، وقبّل راسي.
لأنّ اللي كان معاهم بلّغهم إنّ الأدلّة والشهادات اللي تثبت كلّ جرائمهم وصلت لليدّ اللي تقدر تنفّذ. قال بصوت هادئ. وإنّهم لو استمرّوا، اللي حيجي لهم أضعاف ما يتوقّعوه.
يعني خلاص؟ سألت وأنا أتمنّى. هنعيش بسلام؟
مش بالكامل. ردّ بصدق. فيه إجراءات قانونية هتاخد وقت، وفيه ناس لازم يتحاسبوا.
لكنّا بقينا أقوى. وبنتنا عندها أب وأمّ بيحاربا عشانها.
مرّت الأسابيع، وكلّ يوم كان يجي بفرق جديد. بدأت أشعر بالاطمئنان. وفي ليلة هادئة، بدأت أعاني من آلام الولادة. مراد كان جنبي في كلّ لحظة، يمسك يدي، ويطمئنّني، وينقلني لمكان آمن جهّزه مسبقًا.
ولمّا صړخ صوتها لأول مرّة، ملأ المكان كلّه، شعرت وكأنّ كلّ آلامي وخۏفي راحوا في لحظة. كانت جميلة، بشعر أسود كأبيها، وعيون بتشبه عيوني.
بكيت من الفرح، ومراد كان يمسك إيدها الصغيرة ويدمع كمان.
اسمها إيه؟ سألني بصوت دافئ مليان حبّ.
سما. قلت بابتسامة وأنا بشوفها. اسمها سما. لأنّها جابت لنا السما بعد العاصفة.
مراد قبّل جبينها برفق، وبصّ ليّ بنظرة ما فيهاش حبّ بس، بلّه امتنان وندم وأمل في المستقبل.
سما المنشاوي. قال بفخر. هتعيشي حياة كريمة يا بنتي. وما حدّش يقدر يأذيكي أبدًا.
بعد شهور، وقفنا معًا على شاطئ البحر، وسما بيننا، مراد شايلها بحنان. العيلة اتغيّرت كتير. اللي ظلموا أخذوا جزاءهم، واللي خدعوا انكشفوا. وبقينا نعيش حياة بسيطة، بعيدًا عن الضوضاء والمكائد.
كان فيه أوقات صعبة، وأوقات نفتكر فيها اللي مرّ بنا، لكنّنا كنا أقوى من أيّ وقت. لأنّنا عرفنا إنّ الحبّ مش كلام، هو حماية وتضحية وثبات. وإنّ أعظم كنز في الدنيا مش فلوس ولا سلطة، لكنّه العائلة اللي بتقف جنبك في أصعب الأيام.
بصّ مراد ليّ ولسمى، وشدّني ليه.
شكرًا. قال لي.
على إيه؟ سألته بابتسامة.
على إنّكِ صمدتي. قال وهو ينظر ليّ بعمق. وإنّكِ خليتني أقدر أكون الشخص اللي أنا عليه دلوقتي.
مسكت يديه، ونظرت لسمى اللي بتضحك وهي شايفة الموج.
شكرًا أنتَ. ردّيت. لأنّك آمنت بنا.
ومشينا معًا على الرمال، والبحر يهمس حولنا، والمستقبل بين أيدينا، نعرف إنّ مهما كانت الصعوبات، الحبّ والعدالة هما اللي بيكسبوا في النهاية.
والسرّ اللي بدأ بسؤال في محلّ أطفال، انتهى بقصة حياة جديدة، وقلبين اتجمّعوا بعد ما فرّقتهم الأيام، وطفلة صغيرة كانت سببًا في إنقاذنا جميعًا.